InShot 20260318 182316707

يوميات على هامش مِن زَمنِ النُّون.. “الروسي”

في إحدى زوايا القاعة الرمادية حيث تُعقد اجتماعات لجنة محاربة العنصرية بالمجلس الأوروبي Consejo de Europa، كان يجلس إلى جواري رجل يشبه صفحةً قديمة من كتاب تاريخ لم يُغلق بعد. رجل في عقده الثامن، أشقر الشعر، بعينين مُتّقدتين كأنهما ما زالتا تحتفظان بوميض قرنٍ كامل من الأسرار. خفيف الحركة على نحو يُربك الزمن نفسه، ينهض بخفة، يجلس بمرونة، ويضحك ضحكة قصيرة كأنها إشارة سرية أكثر منها تعبيرًا عن مرح.

كان الرجل يُمثل روسيا الفدرالية، لكن ملامحه كانت تحمل شيئًا من ظلال الاتحاد السوفييتي الذي عاشه وخدمه. عرفت من بعض الزملاء القادمين من دولٍ كانت يومًا ضمن المعسكر الشرقي أن الرجل لم يكن مجرد دبلوماسي عادي، لقد كان في زمن آخر، كاتبًا للدولة في وزارة الدفاع، وضابطًا رفيعًا في جهاز الـ”ك جي بي”.
مع ذلك، لم يكن في حضوره ما يوحي ببرودة الأجهزة الأمنية. كان أشبه برجلٍ يُحب أن يُلقي الرسائل في الهواء مثل صيادٍ يُلقي شباكه في بحرٍ مليء بالمعاني.

كثيرًا ما كان يجلس إلى جانبي في الاجتماعات، وعلى الهامش، أثناء الاستراحات القصيرة بين الجلسات الطويلة، نتبادل أطراف الحديث. كان حديثه دائمًا مزيجًا من الوضوح والغموض، جملة صريحة تتبعها ابتسامة تترك نصف المعنى مُعلقًا في الهواء.
كلما ذكّرته مازحًا:
— لا تنسَ أنني هنا ممثلٌ لإسبانيا.
كان يلوّح بيده كمن يطرد حقيقةً غير مهمة، ثم يلتفت إلى بقية الزملاء الأوروبيين ويقول بصوت مرتفع مازحًا:
— اسمعوا… صديقنا المغربي لديه رأي آخر!
ثم يضحك، ضحكة تُشبه رنين كأسٍ زجاجي.
بعد أشهر، جمعتنا ندوة في تيرانا، العاصمة الألبانية، كان المساء باردًا، والمدينة مُضاءة بأضواء صفراء هادئة كأنها تُحاول أن تُخفف من ثقل تاريخها الشيوعي.
جلسنا على مائدة عشاء طويلة، كان النبيذ يدور بين الحاضرين، والأحاديث تتشعب بين السياسة والتاريخ والذكريات.
ذلك الروسي العجوز كان في تلك الليلة في أفضل حالاته، تحدث عن الجيوسياسة كما لو كان يرسم خريطة العالم بإصبعه على الطاولة. كان يعرف الممرات البحرية، ومناطق النفوذ، وخبايا القرارات الدولية، كما يعرف قبطانٌ قديم تيارات البحر.

كنت أستمع إليه باهتمام، وسألته ذات يوم سؤالًا ظل يراودني منذ زمن:
— قل لي… ما سِرُّ انحياز روسيا للجزائر في ملف الصحراء المغربية؟
رفع حاجبه قليلًا، وابتسم تلك الابتسامة التي أعرفها جيدًا… ابتسامة تبدأ كغموضٍ وتنتهي كإشارة.
قال ببطء:
— ماذا تعرفون في المغرب عن موقف روسيا الحقيقي من هذا الملف؟
ثم أضاف:
— أم أنكم تتابعون فقط المواقف الرسمية؟
صمت لحظة، ثم تابع:
— نعم… نحن نُدعِّم موقفًا ورثناه من زمن الاصطفاف والحرب الباردة، لكن دعني أخبرك شيئًا لا ينتبه إليه كثيرون.
اقترب قليلًا من الطاولة وقال:
— روسيا، وقبلها الاتحاد السوفييتي… لم تصوت قط ضد المغرب في مجلس الأمن، ولم تستعمل أبدا حق النقض في هذا الملف، وتلافت دائما تعطيل القرارات الخاصة بتمديد بعثة المينورسو.
توقف لحظة ليتأكد أنني أستوعب كلامه، ثم أردف:
— غالبًا ما كان موقفنا هو الامتناع عن التصويت، وهذا، في لغة الدبلوماسية، دعمٌ بدرجةٍ أقل… لكنه ليس خصومة.
ثم مال إلى الخلف وقال بنبرة أخف:
— هل تعرف شيئًا آخر؟ الروس… يعطفون كثيرًا على المغرب.
سألته مستغربًا:
— منذ متى؟
نظر إليّ كأن السؤال أعجبه، ثم قال:
— منذ زمن أبعد بكثير من السياسة الحديثة.
صمت لحظة، ثم بدأ يحكي كأنه يفتح صندوقًا من الذاكرة:
— في القرن التاسع عشر، كانت روسيا في حروب طويلة مع الإمبراطورية العثمانية. وكما تعرف، فإن الكنيسة الأرثوذكسية تفرض دفن الموتى في الأرض… لا في البحر.
وأشار بيده كما لو أنه يرسم البحر بيننا.
— لكن العثمانيين لم يكونوا يسمحون لنا بدفن موتانا في الشواطئ التي يسيطرون عليها جنوبًا. كانت مسألة دينية… وكرامة أيضًا.
ثم رفع اصبعه قليلًا:
— حينها سمح سلاطين المغرب للسفن الروسية بأن تدفن موتاها على سواحل المغرب.
وتوقف قليلًا قبل أن يقول:
— والروس… لا ينسون.
ثم ابتسم وأضاف:
— كما لم تنسَ الولايات المتحدة أن سلطان المغرب كان أول من اعترف بها دولةً مستقلة.
أشار بيده وكأنه يضع نقطة في نهاية جملة تاريخية:
— لذلك عندكم في مدينة الرباط مقبرة أرثوذكسية روسية، تأسست رسميا ربما في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن قبور الروس الأورثوتودوكس كانت هناك قبل ذلك بكثير.
ثم قال بنبرة فيها شيء من الاعتزاز الهادئ:
— ولا تنسى أن روسيا لم تحتل المغرب يومًا… ولم تكن حاميةً له حتى تترك هناك مقبرة كما هو حال الاسبان والفرنسيين..
سكت لحظة.
ثم أخذ رشفة من كأسه.
وأنا أستمع للرجل، كنت أفكر في غرابة التاريخ، كيف يمكن لقرار إنساني بسيط في ظاهره ذكي في عُمقه —السماح بدفن موتى—أن يترك أثرًا طويلًا في ذاكرة أمة.
وقبل أن ينهض من الطاولة، انحنى قليلًا نحوي وقال بنبرة مازحة:
— لهذا يا صديقي… عندما أقول للزملاء إنك مغربي… فذلك ليس مزاحًا تمامًا.
ثم أضاف، وهو يغمز بعينه:
— في موسكو… نقول إن المغرب صديق قديم… حتى لو كان المغاربة ينسون ذلك أحيانًا.
وعندما هممنا بالمغادرة، التفت إليّ فجأة وقال بجديةٍ مصطنعة:
— بالمناسبة… إن ذهبت يومًا إلى الرباط، ضع وردة في تلك المقبرة.
سألته ضاحكًا:
— ولماذا أنا؟
أجاب وهو يرتدي معطفه:
— لأنك الوحيد على هذه الطاولة الذي يفهم لماذا هي هناك.
ثم مضى في الممر الطويل للفندق بخطوات خفيفة، كأن ثمانين عامًا من التاريخ كانت تُرافقه… لكنها لا تُثقله.


موضوعات ذات صلة