وليد الركراكي ومعضلة التقييم في كرة القدم المعاصرة.. من منطق النتيجة إلى منطق السياق
لا يبدو السؤال الجوهري المتعلق بوليد الركراكي هو ما إذا كان قد فشل في كأس إفريقيا، أو ما إذا كانت إقالته خيارًا مشروعًا، بقدر ما يتمثل في الإطار المفاهيمي الذي نُخضع له تجربته. فالأحكام السريعة التي تُختزل في نتيجة واحدة أو بطولة واحدة تكشف، في العمق، أزمة أعمق تتعلق بمعايير التقييم في كرة القدم الحديثة، أكثر مما تكشف عن حقيقة التجربة نفسها.
صحيح أن الخروج من كأس إفريقيا 2025 شكّل صدمة جماهيرية، وصحيح أن الإحساس العام تراوح بين خيبة الأمل والغضب، غير أن توصيف ما حدث بكونه “فشلًا مطلقًا” يظل توصيفًا أخلاقيًا وانفعاليًا أكثر منه تحليلًا كرويًا. فالفشل، حين يُستخدم بهذه الصيغة القطعية، يفترض انهيار المشروع من جذوره، ويفترض ضمنيًا أن ما تحقق سابقًا كان وهمًا عابرًا، وهو افتراض لا يصمد أمام أي قراءة سياقية متأنية. (هنا ينبغي التنبيه إلى أن التمييز بين فشل المشروع وفشل المرحلة يظل تمييزًا تحليليًا ضروريًا، وإن كان غير قابل للحسم السريع)

لفهم موقع الركراكي، لا بد من العودة إلى الإطار الأوسع الذي اشتغلت داخله كرة القدم الحديثة، حيث تشكّل، تاريخيًا، تقابلٌ فلسفي بين مقاربتين كبريين: مقاربة ترى في التنظيم الصارم والكفاءة التكتيكية الطريق الأضمن للنجاح، (أي تحقيق النتيجة التي تدور حولها اللعبة وهي الفوز بالمقابلات) وأخرى تمنح الأولوية للجمال والإبداع والفرجة بوصفها جوهر اللعبة. هذا التقابل، رغم بساطته الظاهرية، أسهم في تشكيل النقاش الكروي لعقود طويلة. (ولا يُقصد بهذا التقسيم تقديم صورة صلبة أو مكتملة، إذ إن معظم التجارب الكبرى حملت عناصر من المدرستين معًا، لكنه يظل مفيدًا كأداة تحليلية)
داخل المدرسة الأولى، التي تبلورت أساسًا في الفضاء الأوروبي القاري، جرى التعامل مع النتيجة بوصفها الغاية القصوى، ومع الجمال بوصفه نتيجة ثانوية للتنظيم. وقد عبّر جوزيه مورينيو عن هذا التصور بوضوح حين اعتبر أن كرة القدم ليست متعة بالضرورة، بل مسؤولية. في المقابل، تشكّلت داخل الفضاء اللاتيني رؤية أخرى، من السامبا البرازيلية إلى الهولندية الكرويفية، ثم لاحقًا في فلسفة غوارديولا، حيث تحوّل الاستحواذ واللعب الهجومي إلى قيمة رمزية تتجاوز مجرد الفوز.غير أن هذا التقابل الثنائي لم يعد كافيًا لتفسير تجارب معاصرة أكثر تعقيدًا، من بينها تجربة وليد الركراكي. فالركراكي لا ينتمي انتماءً خالصًا لأي من المدرستين، ولا يقدّم نفسه بوصفه وريثًا مباشرًا لإحداهما، بل يشتغل داخل منطقة وسطى، تتداخل فيها البراغماتية مع الوعي السياقي، والتنظيم مع البعد الرمزي.
لقد كشف مونديال 2022 عن ملامح هذا التموقع بوضوح، حيث قدّم المنتخب المغربي أداءً دفاعيًا منظمًا، قائمًا على إغلاق المساحات، والانتقال السريع، والاستفادة القصوى من كل لحظة امتلاك للكرة، دون الارتهان لفكرة الاستحواذ بوصفها قيمة مطلقة. هذا الأداء حظي باعتراف واسع داخل الدوائر الكروية الأوروبية، وجرى تقديمه كنموذج للواقعية الذكية القادرة على مواجهة منتخبات كبرى دون فقدان الانضباط. (ومع ذلك، تظل هذه التجربة عيّنة زمنية محدودة لا تسمح وحدها بالحكم النهائي على فلسفة مدرب أو استدامة مشروعه)
غير أن اختزال الركراكي في صورة المدرب البراغماتي الصرف يظل اختزالًا مخلًا. فالواقعية التي مارسها لم تكن دفاعًا سلبيًا، بل واقعية مشروطة بالسياق، وبقدرة اللاعبين، وبطبيعة الخصم. ومع الانتقال إلى كأس إفريقيا 2025، بدا واضحًا أن الركراكي حاول تعديل مقاربته، عبر البحث عن توازن أكبر بين الصلابة الدفاعية والمبادرة الهجومية، ورفع نسب الاستحواذ في مباريات كان فيها المنتخب مرشحًا للسيطرة.
(غير أن هذا التحول يمكن قراءته، بحذر منهجي، بوصفه نضجًا فلسفيًا مكتملًا، إذ قد يكون تكيّفًا ظرفيًا فرضته طبيعة المنافسة والضغط الجماهيري)
وهنا تبرز الإشكالية الأساسية: صعوبة بناء التوازن في بطولة تُلعب على الأرض، وتحت ضغط جماهيري مرتفع، حيث يُطالَب المدرب في آن واحد بتحقيق النتيجة، وتقديم أداء مقنع، والحفاظ على هوية جماعية يشعر الجمهور بأنها تعبّر عنه. في هذا السياق، يتحوّل مفهوم الهوية إلى عنصر مركزي في التقييم، ليس بوصفه معيارًا تقنيًا، بل باعتباره بعدًا رمزيًا يضفي على الأداء معنى يتجاوز الحسابات الرقمية. (غير أن توظيف مفهوم الهوية يظل إشكاليًا، لأنه مفهوم متغير وغير قابل للقياس الدقيق، ما يجعله توصيفًا ثقافيًا أكثر منه معيارًا صارمًا)
من هذا المنطلق، يمكن فهم تجربة الركراكي ضمن ما يُعرف بمفهوم “العولمة المحلية”، حيث لا يتم استنساخ النماذج المهيمنة، ولا رفضها، بل إعادة توجيهها وفق خصوصيات محلية. فالركراكي يوظف أدوات كرة القدم المعولمة من تنظيم، وعلوم أداء، واحتراف، لكنه يعيد تحميلها بمعانٍ جماعية وسياقية خاصة بالسياق المغربي. ويبقى هذا التأطير قراءة تفسيرية لا ادعاءً لتأسيس فلسفة كروية جديدة، إذ إن إنتاج الفلسفات يقتضي تراكمًا تاريخيًا أطول…
بناءً على ذلك، لا يبدو الركراكي مشروعًا مكتملًا ولا حالة استثنائية خارقة، بل تجربة انتقالية تعبّر عن لحظة تحوّل في كرة القدم غير الأوروبية، لحظة تحاول فيها هذه الفضاءات إنتاج نماذجها الخاصة دون الوقوع في فخ التقديس أو فخ التقليد. وتكمن قيمة التجربة، في هذا السياق، في الأسئلة التي تطرحها أكثر مما تكمن في الأجوبة الجاهزة التي تُنسب إليها.
إن الحكم على وليد الركراكي بالفشل أو النجاح يظل حكمًا مبتورًا ما لم يُدرج داخل هذا الأفق التحليلي الأوسع. فالفشل ليس دائمًا سقوط مشروع، كما أن النجاح ليس دائمًا تتويجًا بالكؤوس. وبين هذين الحدّين، تظل كرة القدم مجالًا مفتوحًا للتفاوض بين النتيجة والمعنى، بين العقلانية والوجدان، وبين العالمية والخصوصية. ولا يسعى هذا التحليل إلى تبرئة التجربة أو إدانتها، بل إلى مساءلة المنطق الذي نُحاكم به التجارب التدريبية في كرة القدم الحديثة








