عمدة طنجة بين صورة “سوبرمان” والرحالة السياسي: هل تحميه القوة الخارقة من المساءلة؟
لا يختلف اثنان على أن لكل إنسان صفات ومميزات تميّزه عن غيره، إيجابًا أو سلبًا، غير أن هذا الاختلاف يكتسي بعدًا أعمق حين يتعلق بشخصية سياسية تضطلع بمسؤولية تدبير مدينة ذات رمزية تاريخية وحضرية كبيرة مثل طنجة، حيث تتحول السمات الشخصية، وأسلوب القيادة، وطريقة تدبير الخلافات إلى موضوع نقاش عمومي دائم.
في قلب هذا النقاش يبرز اسم منير ليموري، عمدة المدينة الذي استطاع خلال ولايته أن يصنع صورة خاصة داخل المشهد السياسي المحلي، صورة عمدة “مغوار” يظهر بثقة كبيرة في النفس، وابتسامة دائمة تحضر في خرجاته الرسمية والإعلامية، ابتسامة يعتبرها أنصاره علامة اطمئنان، فيما يراها منتقدوه واجهة تخفي خلفها الكثير من التعقيدات والتأويلات.
في نظر فئة واسعة من المتتبعين، يظهر ليموري في صورة “سوبرمان”، الرجل الخارق الذي يمتلك قوة غير مرئية تحميه من عواقب “المساءلة والمحاسبة”. فالعمدة لا يبدو متأثرًا بحجم الانتقادات الموجهة إليه، سواء من الإعلام أو من خصومه السياسيين أو من فعاليات المجتمع المدني، بل يخرج في كل مرة بخطاب واثق يوحي بأن ما يُثار حوله لا يتجاوز كونه ضجيجًا عابرًا لا يمس جوهر أدائه.
هذا “السوبرمان” السياسي يحاول استغلال رمزية الصورة في شبكات التواصل الإجتماعي لإقناع الغرباء عن طنجة، بمدى انجازاته الكبيرة والخارقة التي يحققها، حيث يضع المجال الثقافي في صدارة إنجازاته، مقدّمًا إياه كدرع واقٍ من أي مساءلة أخرى. فطنجة، وفق خطابه، تحولت إلى مدينة ثقافية بامتياز، تستقطب التظاهرات وتحصد الجوائز، وهو ما يُستعمل، في نظر منتقديه، لتبرير الصمت عن اختلالات مرتبطة بوضعية الطرق “طنجة حفاري”، وتعثر مشاريع كبرى، وتأخر أوراش حيوية تمس الحياة اليومية للمواطنين
ويمتد منطق القوة الخارقة إلى القدرة على تحويل الإخفاقات إلى ما يشبه النجاحات، أو على الأقل إلى وقائع لا تستحق التوقف عندها. فرغم أن العمدة لا يُنظر إليه، حسب عدد من المتابعين، كقائد يمتلك كاريزما سياسية قوية تفرض نفسها داخل المجلس الجماعي، ورغم كونه الرجل الثاني في هرم تدبير المدينة، فإن حالة الغليان التي تعيشها الشغيلة اليوم، والحركة النقابية داخل أروقة الجماعة، يتم التقليل من شأنها واعتبارها مجرد تحركات “مدفوعة”، دون فتح حوار مؤسساتي جدي حول أسبابها ومآلاتها.
وعلى مستوى التحالفات السياسية، يعيش المجلس الجماعي حالة من التيه والتخبط، يُحمّل جزء كبير منها لأسلوب تدبير العمدة لعلاقاته مع مكونات الأغلبية. فقد ساهمت هذه المقاربة في تعميق الخلافات داخل تنظيمات سياسية حليفة، وبرز ذلك بشكل واضح في الصراعات الداخلية التي يعرفها حزب التجمع الوطني للأحرار، كما أدت إلى مقاطعة حزب الاستقلال لإحدى دورات المجلس خلال شهر فبراير، في مؤشر قوي على هشاشة التحالف المسير.
الأكثر دلالة في هذا السياق هو ما اعتُبر سابقة في تاريخ التدبير الجماعي بطنجة، حين صوّت مستشارون من الحزب الذي ينتمي إليه العمدة ضد رئيسهم داخل المجلس. ورغم رمزية هذا الحدث سياسيًا وتنظيميًا، تعامل “السوبرمان” مع الوضع بابتسامته المعهودة، محولًا الفشل إلى “نجاح” لا يراه، حسب منتقديه، سوى هو ودائرته الضيقة.
وعلى المستوى التنظيمي الداخلي، يبرز عجز واضح عن الحسم في ملفات بسيطة لكنها ذات دلالة مؤسساتية قوية. فمنذ إقالة محمد الشرقاوي من منصب نائب العمدة، ظل هذا المقعد شاغرًا لأكثر من سنة، دون إدراج نقطة تعويضه في جدول أعمال المجلس، رغم اقتراب موعد الاستحقاقات الجماعية المقبلة، وهو ما يطرح تساؤلات حول الأولويات وحول احترام الأعراف التنظيمية.
في المقابل، انشغل العمدة بنزع بعض التفويضات من نواب يُصنفون ضمن خانة المعارضين لأسلوبه في التدبير، مقابل منح هامش أوسع للمقربين، ما غذّى اتهامات بانتقائية في المحاسبة وغياب توازن حقيقي داخل جهاز التسيير الجماعي، وأعاد إلى الواجهة نقاش الحكامة المحلية وحدود التفويض.
وإلى جانب صفة “سوبرمان”، أُضيفت إلى العمدة صفة أخرى لا تقل إثارة، وهي صفة “الرحالة”، في إحالة رمزية على الرحالة الطنجاوي ابن بطوطة. فكثرة تنقلات العمدة الخارجية، وانخراطه في ما يوصف بالسياسة الموازية، جعلت حضوره الميداني في عدد من الملفات المحلية موضع تساؤل، خاصة في ظل تعمق إشكالات حضرية واجتماعية تتطلب تفرغًا أكبر وتدبيرًا يوميًا أكثر قربًا من نبض المدينة.
أما على المستوى الحزبي، فقد فشل ليموري، بصفته أمينًا إقليميًا، في مرحلة ما بعد انتخابات شتنبر 2021، في خلق توازنات داخلية مستقرة أو في بلورة رؤية واضحة للاستحقاقات التشريعية المقبلة. كما تحولت مدينة أصيلة من نقطة قوة إلى إحدى نقاط الضعف، إلى جانب اتساع دائرة الصراعات التنظيمية داخل طنجة، خصوصًا مع التيار الذي يقوده صديق الأمس عادل الدفوف.
وفي علاقته بالسلطة، شكّل تدخل يونس التازي محطة مفصلية، حين طالب بالتوقف عن تسليم وبرمجة ملفات تسوية البنايات غير القانونية برسم سنة 2026، بعد انتهاء الآجال القانونية في ماي 2025. هذا الموقف وُضع كحد فاصل أمام الإشاعات التي راجت حول وجود دعم غير مشروط للعمدة، وأعاد النقاش إلى منطق احترام القانون والمؤسسات.
أمام كل هذه المعطيات، تبقى تجربة منير ليموري على رأس جماعة طنجة تجربة مثيرة للجدل، تجمع بين صورة “السوبرمان” المحصّن من النقد، و”الرحالة” الذي يطوف العواصم، وبين واقع مدينة تواجه إشكالات بنيوية عميقة. فهل ينجح العمدة في الاستمرار في لعب هذا الدور المركب؟ أم أن منطق التدبير والمساءلة سيفرض نفسه، معلنًا نهاية موسم البطولة الخطابية وبداية مرحلة جديدة عنوانها المحاسبة؟ أسئلة مفتوحة ستحدد الإجابة عنها ملامح المرحلة المقبلة في تدبير مدينة طنجة.








