هل ينجح الغلبزوري في إنقاذ “البام” بأصيلة بعد تعثر ليموري؟
لم يعد خافيا أن حزب الأصالة والمعاصرة يعيش واحدة من أعقد مراحله التنظيمية بمدينة أصيلة، رغم هيمنته العددية الواضحة داخل المجلس الجماعي، فالحزب الذي يقود الجماعة بـ23 مستشارا من أصل 30، يبدو اليوم عاجزا عن تحويل هذه القوة الانتخابية إلى تنظيم سياسي متماسك، قادر على إنتاج القرار وضبط التوازنات الداخلية، بعدما تحولت الخلافات إلى صراع معلن يطفو على السطح مع كل دورة للمجلس الجماعي.
أزمة “البام” بأصيلة تكشف، في العمق، أن الحزب كان مرتبطا بشخص الراحل محمد بن عيسى أكثر مما كان مرتبطا ببنية تنظيمية حقيقية. فالرجل الذي قاد المدينة لأزيد من أربعة عقود نجح في خلق توازن سياسي خاص، قائم على الحضور الشخصي والرمزية السياسية والعلاقات الواسعة، لكن بعد رحيله انهارت كل التفاصيل التنظيمية دفعة واحدة؛ فلا فرع محليا قائما، ولا مقر، ولا قطاعات موازية، ولا دينامية حزبية قادرة على احتواء الخلافات أو تدبير مرحلة ما بعد “الزعيم”.
وفي خضم هذا الارتباك، وجد منير ليموري، الأمين الإقليمي للحزب وعمدة طنجة، نفسه أمام امتحان سياسي وتنظيمي معقد، غير أن الوقائع أظهرت محدودية قدرته على احتواء الأزمة. فالرجل الذي يدبر واحدة من أكبر المدن المغربية لم ينجح في فرض منطق التوافق داخل أصيلة، بل إن الوضع ازداد تعقيدا في عهده، إلى درجة تسجيل مشاهد غير مسبوقة في تاريخ المجالس الجماعية، أبرزها تصويت المكتب المسير ضد نقاط سبق أن أدرجها بنفسه في جدول الأعمال، وتأجيل دورات متتالية بسبب غياب النصاب رغم توفر الحزب على أغلبية مريحة، وهو الأمر الذي يؤكد فشل منير ليموري فيتدبير الوضع التنظيمي.
هذا الارتباك التنظيمي لم يكن بعيدا عن مسؤولية القيادة الجهوية للحزب أيضا. فعبد اللطيف الغلبزوري، الأمين الجهوي لـ“البام”، اختار في مراحل عديدة التزام مسافة الحذر تجاه ما يجري بأصيلة، معتبرا أن تدبير الأزمة يدخل ضمن اختصاصات القيادة الإقليمية. غير أن هذا الحياد تحول عمليا إلى حالة “تفرج سياسي”، ساهمت في تعميق الانقسام المحلي وترك المجال مفتوحا أمام تصاعد الخلافات الشخصية والصراعات المرتبطة بخلافة بن عيسى داخل المدينة.
اليوم، ومع اقتراب موعد الحسم في التزكيات الخاصة بالانتخابات التشريعية المقبلة، تبدو أصيلة مرشحة للتحول إلى واحدة من أكثر الدوائر حساسية داخل جهة طنجة تطوان الحسيمة، خاصة إذا عاد اسم الغلبزوري بقوة كمرشح محتمل بالدائرة الإقليمية طنجة أصيلة. فالرجل سيكون مطالبا، ليس فقط بخوض معركة انتخابية مع خصوم الحزب، بل أيضا بإعادة ترميم البيت الداخلي المهدد بالتفكك، في مدينة لم تعد تقبل بمنطق الحزب الواحد كما كان عليه الأمر خلال سنوات بن عيسى.
كما أن الغلبزوري يواجه معادلة معقدة داخل الحزب نفسه، إذ إن أي محاولة لإعادة ترتيب الأوراق بأصيلةبشكل غير معقلن، قد تُفهم على أنها إعادة توزيع لمراكز النفوذ داخل “البام” ، وهو ما قد يضعه في مواجهة غير معلنة مع بعض القيادات المحلية والإقليمية التي راكمت نفوذا تنظيميا خلال السنوات الأخيرة. لذلك فإن نجاحه لن يكون رهينا فقط بإقناع مناضلي أصيلة، بل أيضا بقدرته على الحفاظ على توازناته داخل طنجة وتدبير علاقاته مع أسماء وازنة تعتبر نفسها شريكا أساسيا في القرار الحزبي.
في النهاية، يبدو أن “البام” بأصيلة يقف اليوم أمام لحظة سياسية فاصلة؛ إما الانتقال من مرحلة الزعامة الفردية إلى بناء تنظيم حزبي حقيقي قادر على الاستمرار، أو الدخول في مسلسل تفكك قد ينهي سنوات من الهيمنة السياسية بالمدينة. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال المطروح داخل الأوساط السياسية المحلية: هل يملك عبد اللطيف الغلبزوري ما يكفي من الحنكة لإعادة لُحمة الحزب بأصيلة، أم أن الأزمة تجاوزت قدرة الجميع وأصبحت عنوانا لنهاية مرحلة سياسية كاملة؟








