المنتخب المغربي يهزم الفتنة وينتصر للأخوة بين شعوب شمال أفريقيا
في السنوات الأخيرة، تعرض الفضاء المغاربي لموجات متتالية من خطابات الكراهية والتشكيك المتبادل، غذتها حملات إعلامية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي سعت إلى تأجيج الخلافات السياسية وتحويلها إلى قطيعة بين الشعوب. وبدا أحياناً وكأن روابط التاريخ والجغرافيا والثقافة المشتركة أصبحت مهددة أمام سيل من الرسائل التي تبث الفرقة وتزرع الشكوك بين أبناء المنطقة الواحدة.
غير أن المنتخب المغربي لكرة القدم نجح، مرة أخرى، في تقديم درس بليغ يتجاوز حدود الرياضة ونتائج المباريات، ليؤكد أن ما يجمع شعوب شمال أفريقيا أكبر بكثير مما يفرقها.
فمنذ انطلاق مشاركته الأخيرة، استطاع المنتخب المغربي أن يفرض نفسه ليس فقط بفضل أدائه الفني الراقي، وإنما أيضاً بفضل الصورة الحضارية التي قدمها لاعبوه وطاقمه التقني. وقد تجلى ذلك بشكل لافت خلال المواجهة القوية أمام منتخب هولندا، حيث قدم الأشبال عرضاً كروياً نال إعجاب المتابعين والمتخصصين، وأكد التطور الكبير الذي بلغته المدرسة الكروية المغربية.
لكن الإنجاز الحقيقي لم يكن فقط داخل رقعة الملعب، بل في ذلك الإجماع الشعبي العربي والمغاربي الذي رافق مسيرة المنتخب. فقد تحولت منصات التواصل الاجتماعي، التي كانت في فترات سابقة ساحة للتراشق والتجاذب، إلى فضاء للاحتفاء بالمغرب والتعبير عن الدعم والمحبة والتضامن. كما وجد عدد من الإعلاميين والمعلقين العرب أنفسهم يتحدثون بلغة مختلفة، لغة الأخوة والتقارب والمصير المشترك بين شعوب المنطقة.
ولعل أكثر ما ساهم في هذا التحول هو تلك المشاهد الإنسانية التي حملتها رحلة المنتخب المغربي. مشهد إسماعيل صيباري وهو يحتضن والدته بعد نهاية المباراة احتفالاً بالتأهل، ومشهد المدرب محمد وهبي وهو يقرأ الفاتحة مع لاعبيه قبل ركلات الترجيح، ومشهد اللاعبين وهم يعبرون عن امتنانهم لله ساجدين بعد الإنجاز، كلها رسائل تلقائية وصادقة أعادت التذكير بالقيم المشتركة التي تجمع شعوب المغرب الكبير والعالم العربي.
لقد أدرك كثيرون من خلال هذه اللحظات أن الاختلافات السياسية العابرة لا يمكن أن تلغي وحدة الثقافة والهوية والقيم التي تشكل وجدان شعوب المنطقة. فحب الأسرة، واحترام الوالدين، والتشبث بالدين، والتواضع، والإيمان بقيمة العمل والاجتهاد، كلها عناصر حاضرة في المجتمعات المغاربية من المحيط إلى الحدود الشرقية.
وفي هذا السياق، بدت تصريحات المدرب محمد وهبي منسجمة مع الروح التي حملها المنتخب طوال البطولة، وهي روح الانفتاح والتقارب ومد اليد للأشقاء. وهي أيضاً قيم تتقاطع مع الرؤية التي يدعو إليها العاهل المغربي في خطاباته باستمرار، والقائمة على تعزيز التعاون بين الشعوب وتغليب روابط الأخوة والتاريخ المشترك على منطق الخلاف والتنازع.
لقد أثبت المنتخب المغربي أن كرة القدم يمكن أن تكون أداة دبلوماسية ناعمة بامتياز، وأن هدفاً جميلاً أو لقطة إنسانية مؤثرة قد تنجح أحياناً فيما تعجز عنه عشرات الخطابات والبيانات. فالرياضة عندما تقترن بالأخلاق والقيم تتحول إلى لغة عالمية قادرة على كسر الحواجز وإعادة بناء الثقة بين الشعوب.
اليوم، لا يحتفل المغاربة فقط بمنتخبهم، بل يحتفلون أيضاً بصورة مشرقة عن المنطقة كلها، صورة تؤكد أن شعوب شمال أفريقيا ما زالت قادرة على الالتقاء حول ما يوحدها، وأن أصوات العقل والمحبة أقوى من كل محاولات الفتنة والتفرقة.
وهكذا، لا يكتفي المنتخب المغربي بتحقيق الانتصارات فوق أرضية الملعب، بل يواصل أداء دور أكبر وأعمق، يتمثل في إعادة التذكير بأن الأخوة بين الشعوب ليست شعاراً عابراً، بل حقيقة راسخة تؤكدها الثقافة المشتركة والتاريخ المشترك والمشاعر الصادقة التي تتجدد كلما اجتمعت القلوب حول إنجاز يبعث على الفخر والأمل.








