التخلف في نظرية عزيز بلال
من المرجح أن تكون كلمة التخلف هي الأكثر استعمالا في خطاب الأفراد والتنظيمات السياسية على مستوى العالم العربي الاسلامي ،بل في العالم بأكمله، نظرا لانشغال ساسة الامبريالية العالمية الدائم بسبل” التنمية” الممكنة في العوالم التابعة لنفوذها ،بينما هم ،في الحقيقة، يخططون لإحكام الهيمنة على هذه العوالم وإعادة إنتاج علاقات الخضوع من جهة هذه الأخيرة، الشيء الذي يضمن مزيدا من الانتشار لنمط الانتاج الرأسمالي، تدويلا للسوق تتسع دائرته يوما عن يوم ،فضلا عن الهيمنة السياسية عن طريق التحكم في توظيف الاديولوجيات والعقائد المحلية لاستخدام الشعوب كأدوات مطواعة في رسم الاتجاه المراد لها أن تسير فيه، وهو الأبعد ما يكون عن طريق التقدم الاجتماعي- الاقتصادي، مما يعني أن الامبريالية لا تكتفي بالسيطرة على الأسواق الخارجية، إذ أنها معنية بإعادة إنتاج هذه السيطرة واستمرار مشروعها الكولونيالي. وأقصد هنا بالامبرالية معناها اللينيني بما هي الدرجة القصوى للاستعمار. وهي موسومة بحلول الاحتكار في محل التنافس الحر، وتزايد أهمية الاستثمار البنكي لرؤوس الأموال .
وفي المجال التداولي يقصد بالتخلف” التأخر” عن الركب الحضاري لأمم أخرى لأسباب تختلف باختلاف النظريات ،ولعل أشهرها تلك التي تعود إلى الطبيعة ،سواء تعلق الأمر بمقدار الثروات الطبيعية الخامة أو حتى بالطبيعة البشرية نفسها ،كما لو أن “التخلف يسري في الدماء التي تجري في عروق الشعوب ” المسماة متخلفة. وباختصار ، فإن فقر الطبيعة لا ينتج سوى مجتمعا متخلفا، وهذا هو تفسير البعض لكيفية وقوع” الحدث التخلفي “إن صح هذا التعبير. غير أن هؤلاء يظلون على جهل بقدرة النشاط البشري على خلق الثروة ،مثلما أن الأخر يقعون في أسوأ فكرة تتأسس عليها كل النزعات العنصرية والشوفينية. أما أولئك الذين يستحضرون دور العامل البشري فقد تمسكوا بالمقياس الديموغرافي، حيث يتأكد من خلال تزايد معدل النمو الديموغرافي اختلال في التوازن بين الخيرات وأعداد البشر. هذه هي الأطروحة المالتوسية بعينها، وهي التي دحضها الاقتصادي المغربي عزيز بلال بواسطة ما يسمى بالحجة المضادة على هذا النحو يقول عزيز بلال أن إنجلترا في القرن التاسع عشر شهدت نموا ديموغرافيا يزيد عن الثلاثة في المئة، بينما في الكونغو خلال نفس القرن لم يزد عن نصف فرد في المئة، وعلى ذلك يستنتج عزيز بلال بأن المعيار الديموغرافي يفرض أن إنجلترا كانت بلدا متخلفا، بينما كان الكونغو بلدا متقدما، وهو ما يعاكس الواقع التاريخي للبلدين بدون أدنى شك. وبالنسبة إلى هذا المنظر المغربي المرموق فإن ارتفاع معدل النمو الديموغرافي يخلق الثروة البشرية، إذا أن اليد العاملة والمنتجة تتقوى، مثلما تتسع دائرة السوق الداخلية. لهذا ثمة حاجة ماسة لرفع اللبس الذي يحيط بهذا المفهوم ،وذلك لا يتأتى إلا انطلاقا من منهج السلب الذي طبقه عزيز بلال في تناول هذا الموضوع.
حسب عزيز بلال لا يعتبر مفهوم التخلف قادرا على تفسير الواقع المعاش في بلدان معينة، بقدر ما يعتبر مفهوما يحتاج في حد ذاته إلى تفسير، ومن ثم تقتضي عملية تشخيص الواقع المسمى متخلفا الرجوع إلى الروابط التي أنتجت التخلف الاقتصادي والاجتماعي وهذه الأخيرة لا تخرج عن روابط التبعية، وهذه هي نقطة التقاطع بين نظرية” العوامل غير الاقتصادية للتنمية” لعزيز بلال، نظرية” النمو غير المتكافئ” لسمير أمين ونظرية “نمو التخلف ” لأندري غونتر فرانك .لذا أعتبرها أطروحات متقاربة ضمن نفس النظرية العامة، أي نظرية التبعية .
يرى عزيز بلال أن التخلف سيروة تاريخية حدثت بسبب الظاهرة الاستعمارية. وهو ما يؤدي إلى نفي صفة التخلف عن المغرب ما قبل الاستعماري، أي مغرب القرن الثامن عشر الذي كان يتوفر على طبقة بورجوازية راكمت ثروتها بواسطة التجارة، كما أن هذا المغرب عرف ظهور المانيفاكتورة في فترة سابقة عن هذا التاريخ، وهذا شيء له أهميته في التحليل الماركسي، على اعتبار أن المانيفاكتورة تشكل قفزة هامة في الانتقال من التشكيلية الاقتصادية الاجتماعية الاقطاعية إلى تشكيلة رأسمالية.
لقد أحدثت الصدمة الاستعمارية، عن طريق إقحام أسلوب الانتاج الرأسمالي في بنية المجتمع المغربي تشويها فظيعا ،بحيث أن نمط الانتاج السائد في المجتمع أصبح عبارة عن خليط من أنمطة الانتاج الرأسمالية وما قبل الرأسمالية (أسلوب الانتاج المشاعي، أسلوب العبودي وأسلوب الانتاج الاقطاعي، وهي كلها تقليدية بالقياس إلى أسلوب الانتاج الرأسمالي العصري ). وهذا الخليط هو نفس الذي يفسر الحالات المقبلة التي أصبح عليها المجتمع المغربي منذ ذلك الحين، إلى يومنا هذا. ألم يكن بإمكان المغرب أن يتجه في طريق آخر لو أن كان قد ترك لحاله دون التدخل في شؤونه من طرف “الحماية الاستعمارية؟”.
هذا التحليل المادي للتكوين التاريخي للمجتمع المغربي ما بعد الاستعماري لم ينته قط إلى تبني أطروحة الازدواجية التي قال بها بول باسكون مثلا. فهذه الأطروحة مردودة بحكم أن تعددية أساليب الانتاج في مجتمع ما يعيش في مرحلة تاريخية معطاة ليس معناه عدم خضوع هذه الأنمطة كلها إلى نمط واحد مهيمن، وهذا الأخير من وجهة نظر عزيز بلال، لا يسمح لبقية أنماط الانتاج بأن تعمل إلا في الحدود التي تبقيها تحت سيطرته الخاصة.
وبناء على هذا التحليل، سيكون المنفذ الوحيد للخروج من هذا التكوين المشوه هو العمل السياسي الهادف إلى التحرر من روابط التبعية الاقتصادية للامبريالية العالمية وبناء اقتصاد وطني قوامه الاعتماد على الذات، فلا غرابة إذن في أن تكون العوامل الاجتماعية والسياسية هي المحددة لكل تنمية اقتصادية ممكنة، فلا تنمية بدون ثورة اجتماعية.
هذا التحليل المادي للتكوين التاريخي للمجتمع المغربي ما بعد الاستعماري لم ينته قط إلى تبني أطروحة الازدواجية التي قال بها بول باسكون مثلا. فهذه الأطروحة مردودة بحكم أن تعددية أساليب الانتاج في مجتمع ما يعيش في مرحلة تاريخية معطاة ليس معناه عدم خضوع هذه الأنمطة كلها إلى نمط واحد مهيمن، وهذا الأخير من وجهة نظر عزيز بلال، لا يسمح لبقية أنماط الانتاج بأن تعمل إلا في الحدود التي تبقيها تحت سيطرته الخاصة .
وبناء على هذا التحليل، سيكون المنفذ الوحيد للخروج من هذا التكوين المشوه هو العمل السياسي الهادف إلى التحرر من روابط التبعية الاقتصادية للامبريالية العالمية وبناء اقتصاد وطني قوامه الاعتماد على الذات، فلا غرابة إذن في أن تكون العوامل الاجتماعية والسياسية هي المحددة لكل تنمية اقتصادية ممكنة، فلا تنمية بدون ثورة اجتماعية.








