إسحاق شارية.. حين يُراد اختزال تطوان في بهلوانيات سياسية
في سنة مفصلية من تاريخ المغرب، سنة 2011، التي ارتبطت بحراك 20 فبراير، خرج آلاف المغاربة إلى الشارع حاملين مطلبًا واضحًا: إصلاح حقيقي، ومحاربة الفساد، وربط المسؤولية بالمحاسبة. كانت لحظة فارقة، انقسم فيها المشهد بين من اختار الانحياز للمستقبل، ومن تشبث بمغرب الريع والفساد.
في تلك اللحظة بالذات، برز اسم إسحاق شارية، لا كصوت إصلاحي أو كفاعل نقدي، بل كمدافع شرس عن واقع مختل، وكمهاجم مباشر للحراك، وواصفًا المحتجين بالانفصاليين والمخربين. كان الرجل، حينها، في الصف المقابل تمامًا لإرادة الشارع، وفي مواجهة مباشرة مع حلم الإصلاح الذي حسم فيه لاحقًا عاهل البلاد بوضوح، منتصرًا لمغرب التغيير لا لمغرب الجمود.
بعدها، اختفى شارية عن الأضواء، متواريًا خلف ستار الانتظار، إلى أن سنحت الفرصة. فرصة لم تكن عودة مبدئية ولا مراجعة سياسية، بل طعنة في الظهر لشيخه وعرابه السياسي النقيب “محمد زيان”، في لحظة ضعف، لينتصر الرجل لمعدنه السياسي المعروف: القفز من السفينة عند أول اهتزاز.
وبمجرد أن استقر “الشيخ” خلف القضبان، خرج شارية من جديد، مؤسسًا حزبًا ميكروسكوبيًا لا يكاد يُعرف له اسم ولا وزن، واختار تطوان مسرحًا لاستعراض ذاتي متضخم، متوهمًا أن المدينة سهلة الاختراق، وأن بضع خطابات تخوين وتشويه كفيلة بمنحه موطئ قدم انتخابي.
أساء الرجل قراءة تطوان، كما أساء من قبل قراءة المغرب. اعتقد أن إعلامها “ناي وطبل”، وأن صحافتها ستتحول إلى جمهور يصفق لبهلوانياته، وأن التشهير بالسياسيين والمسؤولين واتهامهم جزافًا بتهم ثقيلة – من قبيل الاتجار في المخدرات والفساد – يمكن أن يُسوّق كخطاب شجاع، لا كفوضى سياسية.
الأخطر أن شارية اختار الاصطدام بصحافة المدينة، مهاجمًا موقعي (بوست 24 وتطوان 44) وصحفيًا (أحمد أزبدار) يشهد له القاصي والداني بالمهنية والاستقامة. ظن أن الصمت الذي قوبلت به خرجاته هو ضعف أو خوف، ولم يدرك أن ما كان يُعتبر هامشيًا وغير جدير بالرد، تحوّل اليوم إلى مادة للسخرية والتهكم في المنصات الرقمية المحلية.
إن خرجات إسحاق شارية غير المسؤولة، والمبنية على التشكيك المجاني والتشهير دون أدلة، لا تضعه فقط أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية أكبر من حجمه السياسي، بل تكشف أيضًا عن وهم كبير يعيشه الرجل: وهم أن ذاكرة التطوانيين قصيرة، وأنهم نسوا من كان درعًا للفساد في 20 فبراير حراك الريف، ومن طعن النقيب محمد زيان في الظهر، ومن وقف ضد كل ديناميات احتجاجية اصلاحية.
يخطئ شارية إن اعتقد أن مهاجمة أسماء وازنة في المدينة، مثل رشيد الطالبي العلمي أو مصطفى البكوري أو منصف الطوب، ستفتح له باب القبول. فهؤلاء، مهما اختلف حولهم التطوانيون، يملكون رصيدًا جماهيريًا حقيقيًا، ومشروعية تستند إلى العمل والتراكم، لا إلى الضجيج.
وأخيرًا، لعل النصيحة الأوضح التي ينبغي أن يضعها شارية نصب عينيه:
صحافة تطوان أكبر من الجميع، وأقسى على من يستخف بها. وما كان يُقابل سابقًا بالتجاهل، يُقابل اليوم بالضحك والتهكم، لا خوفًا، بل استخفافًا ببهلوانيات سياسية لا تليق بمدينة لها تاريخ، ولا بمشهد سياسي يُفترض فيه الحد الأدنى من الجدية.








