حين يسقط الخطاب السياسي في مستنقع الإساءة.. إسحاق شارية نموذجاً للانحدار الأخلاقي الذي يهدد السياسة
ليس الاختلاف السياسي هو ما يثير الاستغراب في سلوك إسحاق شارية، فالديمقراطية قائمة على التعدد والاختلاف، لكن المثير للقلق هو ذلك الإصرار المتكرر على تحويل العمل السياسي إلى مساحة للتنمر الشخصي والتشهير والتهجم المجاني.
فما يصدر عن أمين عام حزب سياسي لا يمكن اعتباره مجرد “سجال سياسي”، بل يعكس انحداراً أخلاقياً خطيراً يسيء أولاً إلى صاحبه، ثم إلى الحزب الذي يقوده، وأخيراً إلى صورة الفعل السياسي برمته.
أن يصل الأمر إلى تخصيص فيديوهات ومنشورات متكررة لاستهداف شخص بعينه، فهذا ليس تعبيراً عن قوة سياسية، بل مؤشر واضح على عجز في إنتاج خطاب سياسي رصين قادر على إقناع المواطنين بالأفكار والبرامج.
السياسي الحقيقي يواجه الحجة بالحجة، أما حين يصبح همه الشاغل مطاردة الأشخاص وتوجيه الإشارات الساخرة والعبارات السوقية، فإنه يعلن عملياً إفلاسه السياسي والأخلاقي أمام الرأي العام.
والأكثر خطورة أن هذا السلوك لا يصدر عن ناشط مجهول الهوية في منصات التواصل الاجتماعي، بل عن أمين عام حزب وطني يفترض أن يكون أول المدافعين عن قيم الاحترام والمسؤولية وضبط النفس.

من جانبه اختار النائب البرلماني عن دائرة تطوان “منصف الطوب” الرد بلغة هادئة ومحترمة، رغم أنه كشف جانباً مؤلماً من التداعيات الإنسانية لهذه الحملات المتكررة، حين أشار إلى أن والدته خضعت لعملية جراحية على مستوى القلب بعد فترة من الضغوط النفسية التي رافقت هذا الاستهداف المتواصل.
وهنا يطرح السؤال نفسه: أي مكسب سياسي يمكن أن يبرر إقحام الناس وعائلاتهم في معارك شخصية ضيقة؟ وأي نموذج للقيادة الحزبية يُراد تسويقه إذا كانت أدواته الأساسية هي الاستفزاز والتشهير والإساءة؟

إن أخطر ما يكشفه هذا السلوك هو أن صاحبه لم يعد يميز بين المعارضة السياسية المشروعة وبين تصفية الحسابات الشخصية. فالسياسة ليست حلبة ملاكمة افتراضية، وليست مسابقة في إنتاج الإهانات، وليست ميداناً لتسخير الأشخاص وتوزيع الأدوار من أجل النيل من الخصوم.
ولعل المؤسف أكثر أن من يفترض فيه قيادة حزب سياسي أصبح يقدم نموذجاً منفراً للشباب، نموذجاً يختزل السياسة في الضجيج والصراخ والعدوانية، بدل أن تكون فضاءً للنقاش والإقناع وخدمة الصالح العام.
لقد أثبت منصف الطوب، في هذا السجال، أن الرصانة قوة، وأن احترام الخصوم ليس ضعفاً، وأن الأخلاق السياسية ليست شعاراً انتخابياً يرفع عند الحاجة ثم يُلقى جانباً عند أول خلاف.
أما إسحاق شارية، فإن استمرار هذا النهج لن يكرس صورته كرجل دولة، بل سيجعله رمزاً لأزمة أعمق تعيشها بعض النخب الحزبية التي استبدلت الفكر بالتجريح، والبرامج بالاستعراض، والوقار بالاستفزاز.
السياسة أخلاق قبل أن تكون انتخابات، ومن يفقد أخلاقه في الممارسة العامة يفقد تدريجياً احترام الناس، مهما ارتفع صوته ومهما تعددت منصاته.








