الاتحاد الاشتراكي بين خطابات المعارضة ومواقف المؤسسات.. هل تحولت خطابات “لشكر” أداة لتضليل الرأي العام؟
كلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، يرفع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية منسوب خطابه الاجتماعي، ويحرص كاتبه الأول “ادريس لشكر” على الظهور بمظهر المدافع عن القدرة الشرائية للمغاربة وعن الفئات الهشة والمتضررة من السياسات الحكومية. غير أن هذا الخطاب يصطدم، في أكثر من محطة، بواقع مختلف داخل المؤسسات التشريعية، حيث تكشف أوراق التصويت عن مواقف لا تعكس مضمون التصريحات الموجهة إلى المواطنين.
هذا التباين المتكرر بين الخطاب السياسي والممارسة المؤسساتية بات يثير تساؤلات متزايدة حول حقيقة تموقع الحزب، ومدى انسجام رسائله السياسية مع سلوكه الفعلي داخل البرلمان، خاصة أن الاتحاد الاشتراكي يواصل تقديم نفسه للرأي العام باعتباره حزبا معارضا، في وقت تظهر فيه مواقف عديدة تقاطعا واضحا مع اختيارات الأغلبية الحكومية.
وكان ملف إنصاف الأرامل آخر الأمثلة التي أعادت هذا النقاش إلى الواجهة، بعدما امتنع الحزب عن التصويت على مقترح قانون يروم تخفيف شروط استفادة الأرامل من معاشات أزواجهن المتوفين.
المبادرة كانت تهدف إلى الاكتفاء بثبوت عقد الزواج للاستفادة من المعاش بدل ربط هذا الحق بمدة زمنية محددة قبل وفاة الزوج، وهو ما اعتبره المدافعون عن المقترح إجراءً يهدف إلى حماية نساء فقدن المعيل الوحيد لأسرهن.
لكن الاتحاد الاشتراكي اختار ورقة الامتناع السلبي، وهو موقف ساهم عمليا في إسقاط المبادرة إلى جانب رفض الأغلبية الحكومية لها، لتبقى الأرامل أمام انتظار جديد لجواب تشريعي يحمي حقهن في العيش الكريم والأمان الاجتماعي.
ولم يكن هذا الموقف حالة معزولة، إذ سبق للحزب أن امتنع كذلك عن التصويت على مقترح قانون يتعلق بتسقيف أسعار المحروقات، رغم أن كاتبه الأول جعل من موضوع الغلاء وارتفاع الأسعار أحد أبرز محاور خطابه السياسي خلال الأشهر الماضية.
هذا التناقض يعمق الانتقادات التي تتهم الحزب بممارسة نوع من التضليل السياسي، عبر تسويق خطاب معارض في الفضاء العمومي لا يجد ترجمته العملية داخل المؤسسات المنتخبة، حيث تصبح المواقف أقل حدة وأكثر انسجاما مع توجهات الأغلبية الحكومية.
فإذا كان الدفاع عن القدرة الشرائية يمثل أولوية سياسية كما يؤكد مسؤولو الحزب في خرجاتهم الإعلامية، فإن التصويت على مقترحات مرتبطة مباشرة بتخفيف الأعباء عن المواطنين يفترض أن يكون الامتحان الحقيقي لمدى صدقية تلك الالتزامات.
ويرى متابعون أن ورقة الامتناع لم تعد مجرد خيار إجرائي محايد، بل تحولت إلى أداة سياسية تنتج الأثر نفسه الذي ينتجه التصويت الرافض، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمبادرات اجتماعية حساسة تتصل بحياة المواطنين اليومية.
ويجد الاتحاد الاشتراكي نفسه اليوم أمام معادلة صعبة، لأن استمرار الهوة بين الخطاب والممارسة قد يفقده جزءا مهما من رصيده السياسي والتاريخي، باعتباره حزبا ارتبط اسمه لعقود بالدفاع عن العدالة الاجتماعية وحقوق الفئات الهشة.
وفي المقابل، يزداد شعور جزء من الرأي العام بأن هناك مسافة واسعة بين ما يقال في المنابر الإعلامية وما يتم اتخاذه من قرارات داخل المؤسسات، وهو ما يضع كاتب الحزب الأول أمام مسؤولية سياسية مباشرة لتفسير هذا التناقض.
فالحديث عن الغلاء وحماية القدرة الشرائية والدفاع عن الفئات الهشة لا يقاس بعدد التصريحات والخطب السياسية، بل يُقاس بلحظة الحسم داخل البرلمان، حين تتحول ورقة التصويت إلى المعيار الحقيقي لصدق المواقف.
وفي النهاية، يبدو أن أكبر تحد يواجه الاتحاد الاشتراكي اليوم لا يتعلق بمواجهة خصومه السياسيين، بل بإقناع المواطنين بأن خطابات قيادته ليست مجرد رسائل انتخابية ظرفية، وأن مواقفه داخل المؤسسات تعكس فعلا ما يعلنه خارجها.
ففي زمن تتراجع فيه ثقة المواطنين في الأحزاب، لم يعد الرأي العام يحاسب السياسيين على ما يقولونه، بل على ما يفعلونه عندما يحين موعد اتخاذ القرار.








