الحسين بن الطيب

خطوة نحو فضاء معلوماتي أكثر مصداقية وأمانا.. المرصد المتوسطي و”NORDIC” يوقعان اتفاقية للنزاهة المعلوماتية

بقلم ذ: الحسين بن الطيب

في مشهد يعكس تنامي الوعي الدولي بخطورة التضليل المعلوماتي، احتضنت قاعة بيت الصحافة بطنجة حفل إطلاق المرصد المتوسطي للنزاهة المعلوماتية، وتوقيع اتفاقية شراكة واضحة المعالم مع المركز النوردي السويدي لحل النزاعات والمرصد حدث يبدو في ظاهره إجراء مؤسساتيا اعتياديا، لكنه في جوهره يجسد إدراكا متعمقا لمعادلة باتت تشكل أحد أبرز تحديات عصرنا: حين تتلوث المعلومة، يتلوث معها القرار، وتتآكل الثقة، وتتصدع أسس التعايش المجتمعي.

عالم تتسارع فيه المعلومة وتتراجع فيه الحقيقة

لم يكن الإنسان في أي حقبة من تاريخه أمام هذا الكم الهائل من المعلومات المتدفقة في كل لحظة عبر الفضاء الرقمي،  غير أن هذه الوفرة لم تفض دائما إلى مزيد من المعرفة، بل أفرزت في كثير من الأحيان فوضى معلوماتية غير مسبوقة، يصعب فيها على المواطن العادي التمييز بين الخبر الموثوق والرواية المُضخمة والمحتوى المُختلق أصلا.

فالتحول الرقمي، رغم ما منحه من فرص للتواصل والمشاركة وديمقراطية المعلومة، فتح في الوقت ذاته أبوابا واسعة أمام حملات التضليل المنظمة، التي لم تعد محدودة الأثر أو محلية النطاق، بل باتت قادرة على اختراق الحدود وزعزعة الاستقرار وتأجيج النزاعات بسرعة قياسية. وما كشفته جائحة كوفيد-19 من “وباء معلوماتي” مواز، وما رافق جملة من الأزمات السياسية والانتخابية في أوروبا وإفريقيا ومنطقة المتوسط من حملات تضليل ممنهجة، يؤكد أن التهديد المعلوماتي لم يعد ترفا أكاديميا بل مسألة أمن وطني وجماعي.

في هذا السياق تحديدا تكتسب اتفاقية الشراكة الموقَعة اليوم قيمتها الاستراتيجية الحقيقية.

رصد لا يكتفي بالمراقبة بل يستبق الأزمة

ما يميز عمل المرصد المتوسطي لنزاهة المعلومة أنه لا يقتصر على الاستجابة للتضليل بعد وقوعه، بل يؤسس لمنظومة إنذار مبكر تسمح باكتشاف الأخبار الزائفة والشائعات الموجهة في مراحلها الجنينية، قبل أن تتحول إلى رأي عام راسخ يصعب تصحيحه لاحقا. فكل دقيقة تأخير في كشف التضليل تمنحه هامشا أوسع للانتشار والتجذر في الوعي الجمعي.

وتقوم هذه المنظومة على ثلاثة أعمدة متكاملة: الرصد المستمر للمحتويات المتداولة عبر منصات التواصل والإعلام الرقمي، والتحقق العلمي الصارم بالاعتماد على أدوات fact-checking محكمة المنهجية، وأخيرا إنتاج تقارير ودراسات تحليلية تحول الرصد إلى معرفة استراتيجية قابلة للتوظيف في السياسات العمومية واتخاذ القرار.

الشراكة مع المركز النوردي: التقاء مقاربتين لمواجهة تحدٍ مشترك

لا تأتي هذه الشراكة من فراغ،  فالمركز النوردي السويدي لحل النزاعات يحمل في طيات تجربته خبرة متراكمة في تدبير الأزمات ووساطة النزاعات، ومن بينها النزاعات التي تتخذ من التضليل المعلوماتي وقودا لها أو أداة لتأجيجها. وقد غدا جليا في سياقات متعددة أن المعلومة المزيفة ليست مجرد ضجيج رقمي عابر، بل قد تكون الشرارة الأولى لنزاعات اجتماعية وسياسية عميقة.

من هنا يلتقي الطرفان على أرضية مشتركة: فالمرصد المتوسطي يقدم قدراته في الرصد والتحليل والتحقق، فيما يسهم المركز النوردي بخبرته في قراءة ديناميات النزاعات وفهم الأدوار التي تلعبها المعلومة المضللة في إذكائها أو تعقيدها. هذا التكامل بين مقاربتين — الأولى تتصل بنزاهة المعلومة والثانية بإدارة الصراع — يفرز إطارا تشاركيا نادرا ومتميزا في المشهد المؤسساتي الراهن.

وتشمل الاتفاقية محاور تعاون متعددة: تبادل الخبرات والمنهجيات، وإطلاق برامج بحثية مشتركة، وتنظيم لقاءات تكوينية موجهة للصحفيين والمختصين ومنظمات المجتمع المدني على ضفتي المتوسط. فضلا عن بناء شبكة تنبيه مشتركة حين تتشكل موجات تضليل عابرة للحدود.

من حماية المعلومة إلى بناء الثقة المجتمعية

ثمة حقيقة جوهرية تتجاوز البعد التقني لهذه الشراكة: التضليل المعلوماتي لا يستهدف فقط مصداقية خبر بعينه، بل يستهدف في العمق تآكل الثقة — الثقة في المؤسسات، والثقة في الإعلام، والثقة المتبادلة بين المواطنين أنفسهم. وحين تتداعى هذه الثقة، تصبح الديمقراطية عرضة للتوظيف الشعبوي، وتصبح التنمية مهددة بالشك وعدم اليقين، ويصبح الأمن الاجتماعي قابلا للاختراق بأقل التكاليف.

في المقابل، حين تتوفر آليات مستقلة وشفافة للتحقق والتوضيح والتصحيح، لا تتراجع الأخبار المزيفة وحسب، بل تتعزز مكانة المعلومة الموثوقة وتستعيد المؤسسات جزءا من رصيدها لدى الرأي العام. والثقة لا تبنى بالإعلانات، بل بالممارسة الصادقة المتكررة.

نحو مواطن رقمي واع: الرهان التربوي والمجتمعي

لا تكتمل منظومة الحماية من التضليل دون الاستثمار في الوعي المجتمعي. فالتربية الإعلامية والرقمية ليست ترفا تعليميا، بل باتت ضرورة حضارية في عالم لا تتوقف فيه تدفقات المحتوى. والشباب تحديدا، الذي يشكل الجزء الأوسع من مستهلكي الفضاء الرقمي، هو في أمس الحاجة إلى أدوات التفكير النقدي، ومهارات التحقق من المصادر، والوعي بمسؤوليات المواطنة الرقمية.

وتشير الاتفاقية الموقعة إلى أن الطرفين يوليان هذا البعد التربوي أهمية محورية، عبر تطوير برامج تكوين موجهة للنشء والشباب والإعلاميين، وإنتاج محتوى توعوي باللغات المختلفة يكيَف مع خصوصيات المنطقتين المتوسطية والاسكندنافية.

الحقيقة كرهان مشترك

في عالم أصبحت فيه المعلومة قوة لا تقل أهمية عن الموارد الطبيعية أو المال أو التكنولوجيا، أصبح التحقق منها مسؤولية جماعية لا يمكن إحالتها على طرف واحد أو مؤسسة بعينها. فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط حول من يملك المعلومة، بل حول من يضمن أنها حقيقية.

وما يجعل هذه الشراكة بين المرصد المتوسطي والمركز النوردي حدثا ذا دلالة رمزية ومؤسساتية عميقة، هو أنها تجسد الإيمان المشترك بأن التضليل لا يواجه بالصمت ولا بردود الفعل الآنية، بل ببناء منظومات مستدامة من الرصد والمعرفة والتكوين والتعاون الدولي.

المعادلة في نهاية المطاف بسيطة في صياغتها، عميقة في تطبيقها:

نزاهة المعلومة = رصد مستمر + تحقق علمي + تواصل مسؤول + مواطن واع.

وحين تتحقق هذه المعادلة، لا تحمى المعلومة وحسب، بل تحمى معها الديمقراطية، وتصان الثقة، ويعزز السلم الاجتماعي في منطقة تستحق فضاء معلوماتيا أكثر صدقا وأكثر أمانا.

موضوعات ذات صلة