InShot 20260606 140050160

القنصلية الاسبانية بتطوان.. بين خطورة الاتهامات وبرودة التوضيحات

جاءت المذكرة الإعلامية الصادرة عن سفارة إسبانيا بالرباط يوم 2 يونيو 2026 بخصوص ما أثارته جريدة شمال بوسط الرقمية حول تسهيلات مشبوهة في الحصول على تأشيرات شنغن، وكأنها تريد أن تُطمئِن الرأي العام بعبارة واحدة بسيطة:

“لا توجد أي اتفاقيات مع وكالات تسمح أو تسهل الحصول على التأشيرات”.

التوضيح مفهوم من الناحية القانونية، لكنه يبدو، في نظر كثيرين، أقل بكثير من حجم خطورة ما يطرحه التحقيق الصحفي، ومن الأسئلة التي طرحتها التحقيقات الصحفية المتداولة في المغرب خلال الأيام الأخيرة.

1000364738

المشكلة التي أصبحت موضوع الشارع التطواني منذ سنوات لا تتعلق بوجود اتفاقية رسمية بين القنصلية وهذه الوكالة أو تلك. لا أحد كان يتصور أصلاً أن شبكة منظمة ـ إن وجدت فعلاً ـ ستعمل بعقد موقع ومختوم ومعلّق على جدران الإدارة. جوهر النقاش يدور حول شيء آخر، هل توجد ممارسات غير سليمة؟ هل هناك وسطاء يستفيدون من نفوذ أو علاقات أو ثغرات في نظام القنصلية؟ وهل تم التحقيق فعلاً في هذه المزاعم المتكررة؟
هنا بالتحديد يبدو أن البيان أجاب عن سؤال لم يطرحه أحد، بينما ترك الأسئلة الحقيقية معلقة في الهواء.

اللافت أن ما نشرته الصحافة المغربية ليس أول حديث عن هذه الظاهرة. فمنذ سنوات تتكرر الشكاوى والقصص والروايات المتعلقة بسماسرة المواعيد، وبملفات تُقبل وأخرى تُرفض وفق معايير لا يفهمها أصحابها دائماً، وبشبكات وساطة تتحرك في الظل بين طالبي التأشيرات. وسواء كانت هذه الروايات صحيحة كلها أو مبالغاً فيها جزئياً، فإن استمرارها لأكثر من عقد من الزمن جعل منها قضية رأي عام، لا مجرد إشاعة عابرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

لذلك كان المنتظر من السفارة الاسبانية في الرباط ـ في تقديرنا ـ ردّاً أكثر تفصيلاً وشفافية. ليس فقط نفي وجود اتفاقيات رسمية مع الوكالات، بل توضيح ما إذا كانت قد فُتحت تحقيقات داخلية، وما إذا كانت المزاعم المنشورة قد خضعت للتدقيق، وما إذا كانت هناك إجراءات جديدة لتعزيز الرقابة وضمان تكافؤ الفرص بين جميع المتقدمين.

الشفافية لا تكتفي بنفي التهمة، بل تشرح للرأي العام لماذا ينبغي أن يقتنع بالنفي.

ومن زاوية أخرى، فإن الدفاع عن سمعة المؤسسات القنصلية الإسبانية يمر أيضاً عبر التعامل الجدي مع هذه الاتهامات. لأن تجاهلها أو اختزالها في بضعة أسطر قد يُعطي نتيجة معاكسة تماماً، ويزيد منسوب الشك بدل أن يبدده.

ربما أرادت السفارة إغلاق الباب بسرعة أمام التأويلات، لكنها فتحت، من حيث لا تدري، نافذة جديدة للتساؤلات.

ففي شمال المغرب، حيث يتحول الحصول على موعد للتأشيرة أحياناً إلى مغامرة تستحق أن تُروى في رواية من الواقعية السحرية، لم يعد المواطن يبحث فقط عن التأشيرة، بل عن تفسير لما يجري حولها. والناس، بطبعهم، حين لا يجدون الأجوبة في البيانات الرسمية، يبحثون عنها في المقاهي، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الصحافة المحلية.

ولهذا فإن القضية اليوم ليست قضية تأشيرات فقط، بل قضية ثقة أيضاً. والثقة، كما هو معروف، تُبنى بالوضوح الكامل، لا بالحد الأدنى من التوضيح.

وقد يكون من المفيد أن تتذكر الدبلوماسية الإسبانية أن الصمت الأنيق فضيلة في بعض الملفات، أما حين تتعلق المسألة باتهامات يتابعها آلاف المواطنين بشغف وقلق، فإن الأناقة الحقيقية تكمن في قول المزيد لا في قول الأقل.

ذلك أن القضية لم تعد مجرد جدل إداري عابر حول مساطر منح التأشيرات، بل تحوّلت إلى موضوع يشغل جزءاً مهماً من الرأي العام المغربي والإسباني على حد سواء، خاصة في المناطق التي ترتبط تاريخياً واجتماعياً وإنسانياً بالضفة الأخرى من المتوسط.

والأهم من ذلك أن ما نشرته بعض المنابر الإعلامية لا يثير فقط أسئلة سياسية أو إدارية، بل قد يثير، إذا ما تأكدت بعض المعطيات أو المؤشرات المتداولة، تساؤلات أكثر جدية تتجاوز نطاق النقاش الإعلامي. ففي هذه الحالة لن نكون أمام مجرد ممارسات غير سليمة أو تجاوزات معزولة، بل أمام وقائع قد تستدعي اهتمام الجهات المختصة وفتح تحقيقات معمقة لكشف الحقيقة وترتيب المسؤوليات، أياً كانت الجهات أو الأسماء التي قد تقود إليها النتائج.

ولهذا بالذات، فإن أهمية الموضوع وخطورته المحتملة تفرضان قدراً أكبر من الوضوح والتفصيل والشفافية. فكلما كانت الاتهامات جسيمة، كان من مصلحة المؤسسات نفسها أن تواجهها بالحجج والتوضيحات والإجراءات الملموسة، لا بالاكتفاء بردود مقتضبة قد تنجح في نفي الوقائع قانونياً، لكنها لا تنجح بالضرورة في تبديد الشكوك أو طمأنة الرأي العام.

وفي النهاية، حين يظل موضوع ما حاضراً لسنوات في المقاهي، وعلى منصات التواصل الاجتماعي، وفي وسائل الإعلام، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت هناك مشكلة في الإدراك أو في الصورة المتداولة، بل لماذا يستمر هذا الانطباع الجماعي في التكرار، ولماذا ما تزال الأسئلة أكثر عدداً من الأجوبة.

موضوعات ذات صلة