InShot 20260416 022801853

تتويج الحمامة البيضاء.. من الاحتفالية العابرة إلى التأسيس لنهضة فكرية مستدامة

بقلم.. نصرة بنعمار

لم يأتِ إعلان تطوان عاصمة متوسطية للثقافة والحوار لعام 2026 من فراغ، بل هو اعتراف صريح بثقل “الحمامة البيضاء” في الميزان الحضاري، وتتويج لجهود حثيثة تراكمت بفضل عمل دؤوب لمؤسسات محلية ووطنية سهرت على إبقاء إشعاع المدينة حاضراً. لا يمكن لأي قراءة موضوعية، بل ولا يحق لها، أن تبخس هذا الإنجاز أو تقلل من حجم الاستثمار المؤسساتي الذي جعل من تطوان قبلة للأنظار ومحطاً لهذا التشريف الدولي المرموق، بوصفه مكسباً حقيقياً وعلامة مضيئة في مسار التنمية.

​لكن، وبنفس القدر من التقدير لهذا المنجز، تقتضي المسؤولية الفكرية أن نتأمل ما وراء الاحتفالية، لننتقل بالحدث من ضيق المنجز المحلي إلى رحابة الرهان الكوني. فالأوسمة والألقاب هي في جوهرها تكليف إبستمولوجي قبل أن تكون تشريفاً بروتوكولياً؛ إنها دعوة لإعادة التفكير في دور الثقافة كقوة محركة قادرة على زحزحة البنى المجتمعية الساكنة. ومن هذا المنظور الأعمق، لا يجب أن تُختزل الثقافة في الاستهلاك الجمالي أو الترفيهي، بل يجب أن تُطرح كأداة لتفكيك حالة الجمود الفكري والركود الذي قد يهدد أي مجتمع يركن إلى منجزات الماضي.

إن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في جعل هذه التظاهرة مختبراً حياً لإنتاج المعرفة، ومساءلة الذات، وخلق حركية فكرية ترفض الاستكانة، بحيث لا يكون الحوار المتوسطي المنشود مجرد تقاطع للكلمات المنمقة، بل صِداماً إيجابياً بين الأفكار يكسر القوالب النمطية. ولا يقتصر أثر هذه الدينامية على المستوى المحلي، بل يمتد ليتجاوز حدود المدينة، لتصبح تطوان بمثابة عدسة مكبرة تعكس النموذج المغربي بأكمله. فهي تجسيد حي لتلك الفسيفساء التي صاغت الهوية المغربية بروافدها المتعددة، وعندما تتحدث لغة الحوار، فإنها تفعل ذلك نيابة عن عمق مغربي تاريخي جعل من التعددية خياراً استراتيجياً ودستورياً، مما يعزز القوة الناعمة للمغرب ويؤكد قدرته على أن يكون صلة الوصل الآمنة في منطقة تعج بالتقلبات.

ويتجاوز هذا البعد حدوده الوطنية ليعانق الأفق الكوني، حيث يحمل اختيار مدينة متوسطية للحوار رمزية جيوسياسية بالغة الأهمية. فالبحر الأبيض المتوسط، الذي طالما كان مسرحاً للصراعات وخطوط التماس وتراجيديات الهجرة، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى سردية جديدة. وهنا تقدم تطوان للعالم نموذجاً بديلاً؛ نموذج المدينة التي استوعبت الموريسكيين قديماً وتفتح ذراعيها اليوم لكل الهويات، لتبعث برسالة كونية مفادها أن التعايش ليس يوتوبيا مستحيلة، بل هو بناء يومي، وأن المركزيات الثقافية يمكن تفكيكها لصالح وعي إنساني مشترك مبني على التكافؤ.

غير أن هذا الأفق الكوني والوطني لا يمكن بلوغه أو الحفاظ على استدامته دون أذرع محلية قوية. فإذا كانت المؤسسات القائمة قد أنجزت الشق الصعب بوضع تطوان على منصة التتويج، فإن الدور الآن منوط بالمجتمع المدني والنخب الفكرية والإعلامية لتحويل هذا الزخم إلى “ثقافة قرب” تلامس هموم الشباب في الأحياء، وتستثمر في طاقاتهم الإبداعية كفاعلين أساسيين لا كمجرد متلقين. لتبقى تطوان، في نهاية المطاف، عاصمة للثقافة بحق؛ إنجاز نفخر به ونقطة انطلاق نحو مشروع نهضوي شامل يجعل من ثقافة الحوار أسلوب حياة، ويرسخ مكانة المغرب كمنارة للعقلانية، ويقدم للعالم دليلاً حياً على أن إرادة التعايش قادرة حتماً على الانتصار على كل أشكال الجمود.

موضوعات ذات صلة