مصطفى البكوري… رجل الهدوء الذي أعاد ترتيب بيت جماعة تطوان
في مدينة بحجم وتاريخ تطوان، حيث تتقاطع السياسة المحلية مع حسابات المصالح والانتظارات الاجتماعية، لم تكن مهمة رئاسة الجماعة سهلة على الإطلاق. ومع ذلك، اختار رئيس الجماعة مصطفى البكوري نهجاً مختلفاً: العمل بصمت، بعيداً عن الضجيج، وفي مواجهة مباشرة مع شبكات الريع التي ظلت لسنوات تستفيد من تدبير المرافق الجماعية.
منذ توليه رئاسة جماعة تطوان، وجد البكوري نفسه في مواجهة روايتين متناقضتين؛ الأولى يروجها المنتفعون من منظومة قديمة كانت تعتبر الجماعة مجالاً مفتوحاً للوساطات والسمسرة في ملفات الرخص والتراخيص. بالنسبة لهؤلاء، يُصنَّف الرجل ضمن خانة “الرئيس الفاشل”، ليس بسبب ضعف الإنجاز، بل لأنه قطع أنبوب الريع الذي كان يغذي مصالحهم.
أما الرواية الثانية، التي يتبناها عدد من المتابعين للشأن المحلي، فترى أن البكوري نجح في إعادة ترتيب البيت الداخلي للجماعة، بدءاً بإعادة الاعتبار للموظفين وتحريك ملفاتهم الإدارية وتعويضاتهم، وصولاً إلى تحسين ظروف العمل داخل الإدارة الجماعية. فقد شهدت مكاتب الجماعة عمليات تجهيز واسعة وإعادة تنظيم إداري هدفت إلى تحديث طريقة العمل وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
لكن التحدي الأكبر الذي واجهه الرجل لم يكن إدارياً فقط، بل سياسياً أيضاً. فقد قاد تحالفاً جماعياً يوصف في ظاهره بالمتماسك، لكنه في عمقه مليء بالتوترات والاستقطابات. ورغم توالي الخلافات والفضائح السياسية داخل المجلس، استطاع البكوري الحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الذي يسمح باستمرار العمل الجماعي وعدم تعطيل مصالح المدينة.
على مستوى تدبير المدينة، اختار رئيس الجماعة أسلوباً يقوم على التنسيق الوثيق مع مصالح عمالة إقليم تطوان، مع الحرص على عدم تحويل المشاريع التنموية إلى أدوات للمزايدة السياسية أو الاستثمار الانتخابي الضيق.
وفي هذا السياق، تشهد المدينة خلال السنوات الأخيرة مجموعة من الأوراش التي ساهمت في تحسين بنيتها الحضرية، من بينها توسعة الطريق الدائري، وإطلاق برامج لإعادة تأهيل الأحياء ناقصة التجهيز، إضافة إلى تعميم شبكة حديثة للإنارة العمومية شملت مختلف أحياء المدينة.
كما نجح البكوري، بحسب عدد من المتابعين للشأن المحلي، في الدفع نحو إعادة الاعتبار للبعد الثقافي والإنساني لمدينة تطوان، المدينة التي عُرفت تاريخياً كجسر حضاري بين ضفتي المتوسط. فقد عملت الجماعة خلال هذه المرحلة على تعزيز صورة تطوان كمدينة منفتحة ومتعددة الروافد الثقافية، تحتضن مختلف التعبيرات الفنية وتستعيد تدريجياً إشعاعها الثقافي الذي ميّزها لسنوات طويلة. هذا التوجه لم يقتصر على دعم الأنشطة الثقافية والفضاءات الفنية، بل امتد أيضاً إلى ترسيخ فكرة المدينة كفضاء للعيش المشترك والتعايش بين مختلف المكونات الاجتماعية والثقافية، وهو ما أعاد لتطوان جزءاً من مكانتها الرمزية كحاضرة للتسامح والتنوع في شمال المغرب.
هذه المقاربة الهادئة في التدبير جعلت تجربة البكوري في رئاسة جماعة تطوان تجربة مثيرة للنقاش. فبين من يقيس الأداء بمنطق المصالح التي فقدها، ومن يقيمه وفق ما تحقق على الأرض من إصلاحات وتنظيم إداري ومشاريع حضرية، يظل المؤكد أن الرجل اختار طريقاً صعباً: مواجهة منظومة اعتادت العمل في الظل، ومحاولة بناء نموذج تدبير محلي أكثر شفافية وانضباطاً.
وربما لهذا السبب تحديداً، لم يكن البكوري رئيساً يثير الكثير من الضجيج الإعلامي، لكنه في المقابل أصبح رقماً صعباً في معادلة تدبير الشأن المحلي في تطوان، مدينة لا تغفر أخطاء رؤسائها بسهولة، لكنها أيضاً لا تنكر إنجازاتهم عندما تظهر نتائجها على الأرض.








