الراحل ياسر عرفات يقبل رأس الملك محمد السادس، والراحل اسماعيل هنية يرحب بعقيد في الجيش المغربي بالمستشفى الميداني بقطاع غزة

المغرب في غزة.. شرعية دينية وتاريخية ومقاربة هادئة لدعم الفلسطينيين والأمن والسلام

يحضر المغرب اليوم في النقاشات الدولية المرتبطة بمستقبل غزة بوصفه فاعلاً يمتلك رصيداً مركباً من الشرعية الدينية والتاريخية والميدانية، ما يؤهله للعب دور توافقي داخل ترتيبات إعادة الأمن وبناء السلام، بعيداً عن منطق الاصطفافات أو الحسابات الظرفية.

أول عناصر القوة المغربية يتمثل في الشرعية الدينية المرتبطة بمؤسسة إمارة المؤمنين التي يتولاها الملك محمد السادس. هذه الصفة تمنح للموقف المغربي بعداً أخلاقياً وروحياً يعزز مصداقيته في وجدان الشعب الفلسطيني، ويكرّس صورة المغرب كدولة تتحرك في هذا الملف انطلاقاً من مسؤولية ثابتة، لا من اعتبارات دعائية.

وتتعزز هذه الشرعية برئاسة المغرب لـلجنة القدس، وما ينبثق عنها من عمل مؤسساتي عبر وكالة بيت مال القدس الشريف، التي تنفذ مشاريع اجتماعية وصحية وتعليمية داخل القدس. هذا الحضور المستمر يعكس التزاماً عملياً طويل النفس، يترجم الدعم السياسي إلى مبادرات ملموسة تخدم الفلسطينيين على الأرض.

أما في غزة، فقد راكم المغرب تجربة ميدانية معتبرة في الدعم الإنساني، من خلال إقامة مستشفيات ميدانية خلال فترات التصعيد العسكري، وإرسال مساعدات طبية وغذائية بشكل مباشر. كما ارتبط اسمه تاريخياً بالمساهمة في بناء مطار غزة الدولي خلال فترة حكم الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وهو المشروع الذي شكل آنذاك رمزاً لسيادة فلسطينية ناشئة وأملاً في انفتاح القطاع على العالم.

هذا المسار يعكس سمة أساسية في السياسة الخارجية المغربية تجاه القضية الفلسطينية: العمل في صمت. فالمغرب دأب على دعم الفلسطينيين والمدنيين بعيداً عن الضجيج الإعلامي أو الاستثمار السياسي في المآسي. لم يحوّل القضية إلى شعار للمزايدة، بل تعامل معها باعتبارها التزاماً تاريخياً وأخلاقياً متواصلاً.

1000287032

وفي هذا الإطار، ينخرط المغرب فعلياً في مجلس السلام الدولي القائم، الذي ترعاه قوى كبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة برئاسة دونالد ترامب، حيث أعلن وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة الخطوط العريضة للمساهمة المغربية الخاصة بقطاع غزة.
وتقوم هذه المساهمة على ثلاثة محاور متكاملة:

أولاً – التعاون الأمني: مشاركة عناصر من الشرطة المغربية وضباط من القوات المسلحة الملكية في إطار تنسيق متعدد الأطراف، لدعم إعادة بناء المنظومة الأمنية في غزة وفق مقاربة مهنية تحترم القانون وتراعي خصوصية الواقع المحلي.

ثانياً – البعد الإنساني والصحي: إقامة مستشفى ميداني مغربي في القطاع، امتداداً للتجربة التي راكمتها المملكة في التدخلات الإنسانية، بما يساهم في تخفيف الضغط على المنظومة الصحية وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

ثالثاً – البعد القيمي والثقافي: المساهمة في نشر ثقافة التعايش والسلام، انطلاقاً من النموذج المغربي القائم على الوسطية الدينية والحوار بين الثقافات، والدفع في اتجاه حل الدولتين كإطار يحترم الشرعية الدولية ويضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

بهذا المعنى، يجمع الدور المغربي بين الشرعية الدينية، والتجربة التاريخية، والخبرة الميدانية، ضمن مقاربة هادئة ومتوازنة.

إنه دور لا يقوم على الشعارات، بل على الاستمرارية؛ ولا على الضجيج، بل على الفعل الهادئ الذي يضع مصلحة المدنيين وإرساء سلام عادل ومستدام في صلب أولوياته.

موضوعات ذات صلة