InShot 20251122 135441512

أسرار دور الملكية في بناء العلاقات المغربية-الإسبانية

تلعب الحكومات دورا محوريا في العلاقات بين الدول إلى جانب الفاعل الاقتصادي، ويظهر ذلك جليا في العلاقات بين إسبانيا والمغرب وتطورها ، غير أن هناك فاعلاً آخر يظل حضوره أحيانا متواريا لكنه شديد التأثير وأحيانا حاسم. يتعلق الأمر بالمؤسستين الملكيتين في البلدين.

مع عودة الملكية إلى إسبانيا سنة 1975، لم تَعُد العلاقات بين المغرب وإسبانيا محصورة في البروتوكول الرسمي ، وحلّ مكانه نمط جديد من الروابط الشخصية بين ملوك إسبانيا والمغرب. روابط استطاعت أن تبني في مرحلة الملك الراحل الحسن الثاني الجسور، وأن تُطفئ شرارات الأزمات، وأن تفتح قنوات الحوار كلّما تعثرت الدبلوماسية الرسمية أو خيّم عليها التوتر.

عبد الحميد البجوقي
عبد الحميد البجوقي

في عهد الملك الحسن الثاني، تجاوزت علاقة الرباط بعرش مدريد حدود التحالف المصلحي، لتتجسّد في ثقة شخصية عميقة بين الملكين. ووفق مركز “سيدوب” للشؤون الدولية في برشلونة، أنها علاقة جسّدت ما كان يصف كلاهما تلك الصلة بأنها علاقة “أخوية.

ولم يكن ذلك الودّ مجرّد خطابة أو مجاملة دبلوماسية. ففي مارس 1986، وأثناء احتفالات الذكرى الخامسة والعشرين لجلوس الحسن الثاني على العرش بمراكش، حظي الملك خوان كارلوس الأول باستقبال حافل اتّسم بالفخامة والحماس الشعبي، إذ رتّبت الدولة المغربية خروج آلاف المواطنين إلى الشوارع حاملين أعلام البلدين لتحية العاهل الإسباني. ورغم الطابع الرسمي للزيارة، فقد تضمّنت لحظات خاصة ذات دلالات عميقة؛ إذ أشارت مصادر دبلوماسية نقلتها صحيفة إلباييس بتحفظ إلى أنّ الملكين أجريا محادثات سرّية حول مستقبل العلاقات الثنائية، ويُقال إن خوان كارلوس لمّح في إحدى تلك الجلسات إلى أن ملفّ سبتة ومليلية “سيأتي وقته” في المستقبل، على حدّ ما تسرّب من تلك الرواية غير المؤكدة. وما زاد أجواء الزيارة رمزيةً أن مدريد كانت حينها قد أنهت لتوّها مسار انضمامها إلى السوق الأوروبية المشتركة، وهو تحوّل استراتيجي جعل الرباط تنظر إلى العلاقة مع إسبانيا باعتبارها جسراً ضرورياً نحو أوروبا، وأن الحكومة يقودها زعيم الحزب الاشتراكي العمالي الاسباني فيليبي غونصاليص مما أضفى على اللقاء الثنائي بُعداً إضافياً من الحذر والرهان السياسي.

هذا الطابع الشخصي للعلاقة بين الملكين بدا جلياً أيضاً في مبادرات دبلوماسية غير رسمية. فقد وثّقت صحيفة لا راثون في نسختها الرقمية (17 نوفمبر 2025) أن العديد من الأزمات الحادّة بين البلدين خفّت حِدّتُها بفضل اتصالات هاتفية مباشرة بين خوان كارلوس الأول والحسن الثاني.

وليس من المبالغة القول إنّ وراء ملفات الهجرة، ومفاوضات الصيد البحري، والنزاعات الترابية، كانت هناك “قناة ملكية” تحفظ التواصل حين تتعثر القنوات المؤسسية أو تصبح شديدة الصلابة.

ومن أبرز اللحظات الرمزية توقيع معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون عام 1991، والتي وقعها وزيرا الداخلية في البلدين بحضور الملكين. ولم يكن التوقيع مجرد طقس بروتوكولي، بل تجسيداً لالتزام طويل المدى يستند إلى المصالح المشتركة وإلى الصداقة المتينة بين العاهلين.

وتجاوزت العلاقات الملكية حدود المناسبات العامة، فظهرت قصص وحكايات ذات خلفيات استراتيجية تبرز كيف تجاوزت الصداقة بين الملكين قيود الدبلوماسية التقليدية. فعلى الرغم من أن “المسيرة الخضراء” عام 1975 كانت تحدّياً كبيراً لإسبانيا، فإن العلاقة بين الحسن الثاني وخوان كارلوس كانت قد بدأت تنضج. ويؤكد المؤرخ مراد زروق، في تصريح نقلته وكالة إفي (4 أغسطس 2020)، أن تلك التوترات لم تؤثر على الصداقة بين الرجلين لأنهما كانا يقدّمان “الروابط الشخصية والملكية”على الخلافات السياسية.

ومع مرور الزمن، تعزّز هذا القرب من خلال مواقف لافتة، مثل الرسالة التي بعث بها الحسن الثاني سنة 1988 إلى خوان كارلوس الأول لتبرير تأجيل زيارة رسمية إلى مدريد لأسباب “ظرفية غير مناسبة”، مرفقاً إياها برسالة شخصية نقلها وليّ العهد آنذاك – الملك محمد السادس حالياً – في إشارة إلى أنّ الدبلوماسية بين العاهلين كانت تجري أحياناً بقدر من الألفة يكاد يكون عائلياً، كما أوردت إلباييس في عددها الصادر في 31 أكتوبر 1988.

ومع اعتلاء محمد السادس العرش سنة 1999، إثر وفاة والده، لم تنقطع تلك الصلة الملكية، وإن تغيّر إيقاعها. فقد حافظ خوان كارلوس الأول على علاقة دافئة مع خلف الحسن الثاني، بل وصفه في جنازة الملك الراحل بأنه “أخوه الأصغر”. وقد انعكس هذا القرب في محطات دبلوماسية حسّاسة، أبرزها أزمة جزيرة ليلى (بيريخيل) في يوليو 2002، حين كانت التوترات الحكومية على أشدّها. ويرى بعض المحللين أن القنوات الملكية أسهمت في تهدئة الأزمة وتسهيل مهمة الوساطة التي قادها وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول.

ومع تولّي الملكين فيليبي السادس ومحمد السادس، انتقلت العلاقة الثنائية إلى فضاء أكثر مؤسساتية وأقل عاطفية، دون أن تفقد الأبعاد الشخصية والروابط الملكية وزنها كاملاً. فالثقة التي جمعت خوان كارلوس والحسن الثاني أثبتت أن الانسجام بين الملوك يمكن أن يشكل “ضمانة دبلوماسية” تمنح العلاقات استمرارية وسط تغيّرات السياسة. غير أن الملكين وحكومة مدريد يدركون أيضاً حدود القوة الرمزية، فملفات مثل سبتة ومليلية، والصحراء المغربية، والصيد البحري، والهجرة، لا تُحسم بالودّ والعلاقات الشخصية وحدها، بل تتطلب سياسات واتفاقات رسمية. ومع ذلك، تبقى الملكيات قنوات فعالة للدبلوماسية الهادئة، القادرة على التأثير حين تضيق الساحة العلنية.

في الحصيلة، لا يمكن فهم العلاقات المغربية-الإسبانية من دون إدراك الدور المركزي للملوك فيها. خوان كارلوس الأول والحسن الثاني لم يكونا مجرد رئيسي دولة متقاربين في المصالح، بل رجلين نسجا صداقة شخصية استطاعت تجاوز الأزمات والعقبات المؤسسية. واليوم، مع فيليبي السادس ومحمد السادس، ما زالت الملكية فاعلاً أساسياً – وإن باتت أكثر مؤسساتية وأقل وجدانية – في دينامية الدبلوماسية المعقّدة بين مدريد والرباط.

هذا الدور الملكي ليس مجرد صفحة من التاريخ أو صدفة رسمتها علاقة الراحل الحسن الثاني مع الملك السابق خوان كارلوس، بل رصيد سياسي قائم، وإن كان بحدود ترسمها مصالح الدول.

موضوعات ذات صلة