حين يصبح الإعلام جزءاً من المعركة الديمقراطية.. قراءة في إصدار جديد لطارق الشعرة
في زمن لم تعد فيه الانتخابات تُحسم فقط داخل المقرات الحزبية أو عبر التجمعات الخطابية التقليدية، بل في الفضاءات الرقمية والاستوديوهات التلفزية ومنصات التأثير الجديدة، يطل الإعلامي والباحث طارق الشعرة بإصدار فكري يلامس إحدى أكثر القضايا راهنية في الحياة السياسية المعاصرة، من خلال كتابه الموسوم بـ “مكانة الإعلام في الخطاب الانتخابي بين المغرب والتجارب المقارنة”.
العمل لا يبدو مجرد محاولة لوصف العلاقة بين الإعلام والاستحقاقات الانتخابية، بل هو أقرب إلى مساءلة عميقة للتحولات التي أصابت الفعل السياسي نفسه. ذلك أن الإعلام لم يعد وسيطاً محايداً ينقل الوقائع، بل تحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الصورة، وصناعة الانطباع، وتوجيه أولويات النقاش العمومي، بل وفي التأثير على مزاج الناخبين واختياراتهم.
من هذه الزاوية، يكتسب الكتاب قيمته الفكرية، لأنه يضع التجربة المغربية في مواجهة نماذج أخرى راكمت تقاليد أوسع في تدبير العلاقة بين الإعلام والسياسة. فالمقارنة هنا لا تُستعمل للتفاضل السطحي بين التجارب، وإنما لفهم ما الذي يجعل الإعلام في بعض الديمقراطيات جزءاً من البناء المؤسساتي للعملية الانتخابية، بينما يظل في تجارب أخرى أسير التوظيف الموسمي أو الخطاب المناسباتي.
في الحالة المغربية، تبدو الأسئلة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فمع توسع المجال الرقمي، وتراجع تأثير الخطاب الحزبي الكلاسيكي، وصعود أشكال جديدة من التواصل السياسي، أصبح من المشروع التساؤل حول مدى استعداد الفاعلين السياسيين لاستيعاب هذا التحول. هل يُنظر إلى الإعلام باعتباره ركيزة من ركائز النقاش الديمقراطي؟ أم أنه لا يزال يُختزل في أداة للترويج السريع أثناء الحملات الانتخابية؟
الكتاب يفتح أيضاً باب التفكير في مسألة الجودة داخل الخطاب الانتخابي. إذ لم يعد الناخب المعاصر يكتفي بالشعار، ولا بالصورة المصقولة، ولا بالوعود العامة. إنه يطلب مضموناً، ووضوحاً، وقدرة على الإقناع. وهنا يصبح الإعلام، بمختلف وسائطه، امتحاناً حقيقياً للفاعل السياسي: إما أن يستثمره لتقديم رؤية قابلة للنقاش، أو يتحول إلى مساحة تكشف هشاشة الخطاب وفراغه.
ما يمنح هذا الإصدار أهمية إضافية هو توقيته. فالمغرب، مثل غيره من الدول، يعيش مرحلة انتقالية في علاقة المواطن بالمعلومة، حيث تتراجع الحدود بين الصحفي والسياسي والمؤثر، وتتنافس المصادر على كسب الانتباه أكثر من كسب الثقة. وفي مثل هذا السياق، تصبح الحاجة ملحة إلى دراسات رصينة تفسر ما يجري بدل الاكتفاء بوصفه.
إن مساهمة طارق الشعرة لا تقف عند حدود التوثيق أو التحليل المقارن، بل تطرح سؤالاً أعمق: كيف يمكن بناء ممارسة انتخابية حديثة دون إعلام قوي، مهني، وقادر على إنتاج نقاش عمومي ناضج؟ وهو سؤال لا يهم الباحثين وحدهم، بل يخص الأحزاب، والمؤسسات، والناخبين، وكل من يعنيه مستقبل الديمقراطية المغربية.
في النهاية، يبدو هذا الكتاب محاولة جادة لفهم زمن سياسي جديد، لم يعد فيه الإعلام مرآة للانتخابات، بل أحد صناعها الأساسيين.








