InShot 20260615 194203881

“فتاة تطوان تخاطبكم”.. “آمنة اللوه” أول صوت إذاعي نسوي في شمال المغرب وأيقونة الأدب والتربية والنضال

في يوم عيد الفطر من سنة 2015، اسدل الموت الستار على مسيرة استثنائية امتدت قرابة تسعة عقود من العطاء الصامت والعميق. رحلت آمنة اللوه عن تطوان كما عاشت فيها: بلا ضجيج. غير ان غيابها كشف عن حضور كان اكبر مما ادرك الكثيرون. فقد كانت هذه المراة الريفية الاصل، التطوانية الهوى، ظاهرة بعينها في تاريخ الثقافة المغربية: جمعت في مسار واحد ريادة الاذاعة واسبقية الرواية النسائية وعمق التربية والتعليم وحرارة النضال الوطني، وكلها في زمن لم يكن للمراة فيه حق الكلام في الفضاء العام الا بشق الانفس. هذا المقال محاولة لاستجماع ما تفرق من شهادات صحفية وعلمية وتوثيقية عنها في صورة واحدة تليق بقامتها.
 
   من الحسيمة الى تطوان: جذور في العلم والمقاومة

ولدت آمنة بنت عبد الكريم اللوه سنة 1926 بقرية تيغانيمين من قبيلة بقيوة بالحسيمة، وهي تنتسب الى اسرة تجمع بين ثقل العلم وحرارة المقاومة في توليفة نادرة. فوالدها عبد الكريم اللوه كان من رفاق محمد بن عبد الكريم الخطابي، مبعوثه السياسي الى انجلترا وممثله في مدينة طنجة. ووالدتها رقية الخطابي احدى بنات عم عبد الكريم الخطابي ذاته. اما عمها فهو العلامة العربي اللوه، خريج جامع الزيتونة بتونس، الذي خلف مؤلفات في مقدمتها كتاب “المنهال في كفاح ابطال الشمال”. وقد هاجرت الاسرة من الحسيمة اثر حملة بوشتى البغدادي على قبيلة بقيوة، فاستقرت في تطوان التي صارت موطن آمنة الحقيقي وحاضنة مشروعها الثقافي كله. ومن رحم هذا الثلاثي — الجهاد الاسري والعلم الزيتوني والمدينة الاندلسية — تشكلت شخصية لم تعرف نصف المواقف.
عن نشاتها تقول في سيرتها الذاتية المنشورة في جريدة طنجة عام 2009 تحت عنوان “حفريات في القلب والذاكرة”: “كان والدي رحمه الله مومنا بتعليم البنات ومتحمسا له ومن اكبر دعاته، في وقت كان التعليم بالنسبة للفتاة غير وارد اطلاقا.. بل كان الحديث فيه نوعا من المحرمات”. فالاب اذن كان استثناء في زمانه، وقد ورثت ابنته هذا الاستثناء وحولته الى مشروع حياة.
 
   صوت في الاثير: اولى المذيعات في تطوان سنة 1946

لا يحتاج المرء الى كثير من التخيل ليدرك ثقل ما فعلته آمنة اللوه سنة 1946، حين وقفت امام ميكروفون اذاعة جبل درسة الجهوية بتطوان وهي في العشرين من عمرها. كانت المراة المغربية في شمال البلاد تعيش في ظل الحماية الاسبانية ومنظومة اجتماعية متشددة؛ لا صوت لها في الفضاء العام، لا حضور لها في الاعلام. واذاعة جبل درسة — المحطة الجهوية الوحيدة في الشمال — كانت تخضع لرقابة مزدوجة: استعمارية من فوق، واجتماعية من حول. ومع ذلك، وجدت آمنة اللوه طريقها الى الميكروفون، لتفجر بصوتها معادلة راسخة ظن كثيرون انها قدر لا يتبدل.
كل يوم خميس، كان اهل تطوان يديرون زر المذياع انتظارا لبرنامج يحمل اسما اشبه ببيان: “حديث الخميس” او “فتاة تطوان تخاطبكم”. لم يكن برنامجا ترفيهيا، بل كان منبرا فكريا دقيق الصياغة: يدعو الى تعليم الفتيات في قالب اجتماعي، ويشحذ الوعي الوطني في قالب تربوي، ويمرر رسالة المقاومة في قالب ثقافي. وهذا التدرج في الخطاب لم يكن عجزا بل حكمة: علمت ان الكلمة المباشرة في زمن الرقيب تقطع، وان الكلمة الذكية تعبر. وبهذا الاسلوب جمعت بين نضالين في نضال واحد: نضال المراة من اجل الظهور، ونضال المواطن من اجل الاستقلال. وتمتد هذه المعلومة الى حادثة موثقة سنة 1947، اذ كانت اول فتاة متعلمة تخطب امام الاميرة لالة عائشة حين زارت تطوان، فكانت كلمتها تنويها بدعوة الاميرة الى تعليم الفتيات، وقد قيل ان هذا الخطاب كان حديث المجالس العلمية في المغرب قاطبة.
وصفت الاستاذة نجاة المريني في مقالتها في موقع هسبريس يونيو 2024 هذا البعد بعبارة جامعة، حين اكدت ان آمنة اللوه كانت “اول اذاعية مرموقة في اذاعة درسة بتطوان، صاحبة برنامج حديث الخميس: فتاة تطوان تخاطبكم في الاربعينات”.
 
   في الصحافة المكتوبة: من “فتاة الريف” الى قلم الرائدة

بعد عام واحد من انطلاق مشوارها الاذاعي، فتحت آمنة اللوه بابا آخر لا يقل دلالة: باب الصحافة المكتوبة. فعام 1947 نشرت في مجلة “الانيس” التطوانية مقالتها الاولى الموسومة بـ”نحن والتعليم”، موقعة اياها بمستعار هو “فتاة الريف” — وهو اختيار يعكس الاكراه الاجتماعي الذي كان يحاصر المراة المبدعة حتى في التوقيع بهويتها الحقيقية. غير ان هذا الاحتراز الاول لم يطل. وسرعان ما برز اسمها الصريح في دوريات تطوانية متعددة قبل ان يتسع نطاق حضورها ليشمل الرباط وفاس وما وراء المغرب.
استقطبت كتاباتها اهتمام رئيسة تحرير مجلة “المعتمد” الكاتبة الاسبانية ترينا ميركادير، التي حثت الشاعر ابراهيم الالغي — شقيق العلامة محمد المختار السوسي — على التواصل مع آمنة ودعوتها للتعاون مع المجلة. وقد كان ذلك اللقاء بداية مشوار ادبي مشترك تحول الى زواج جمع بين اديبين. ولم يفت العلامة المختار السوسي، ان يسجل اعجابه بها في مولفه الاشهر “المعسول” (الجزء الثاني، ص 320)، واصفا اياها بانها “سيدة عالمة لا نظير لها في فتياتنا” — وهو مدح صادر عن عالم موصوف بالتحفظ والرصانة، يحمل وزنا مضاعفا.
تنوعت المنابر التي كتبت فيها آمنة اللوه تنوعا يكشف عن مدى نفوذها الثقافي: مجلة “الانيس” ومجلة “المعتمد” وجريدة “الانوار” وجريدة “الريف” في تطوان؛ ومجلة “دعوة الحق” و”البحث العلمي” و”الثقافة المغربية” و”الصحراء المغربية” في الرباط؛ وجريدة “المحجة” في فاس. يضاف الى ذلك ترجمات من الاسبانية الى العربية، منها وثيقة تاريخية تتعلق بقضية العرائش وقصائد لشعراء اسبان. اما سيرتها الذاتية التي اسمتها “حفريات في القلب والذاكرة” ونشرتها حلقات في جريدة طنجة ابتداء من 2009، فتشكل المصدر الاولي الاغنى لمن يريد ان يفهم هذه الشخصية من الداخل.
 
   رواية “الملكة خناثة”: حين اطلقت المراة الرواية النسائية في المغرب

في سنة 1954، صدرت عن مطبوعات معهد مولاي الحسن بتطوان رواية تاريخية قصيرة حملت عنوان “الملكة خناثة قرينة المولى اسماعيل”. نالت عنها آمنة اللوه جائزة المغرب للاداب في منطقة الحماية الاسبانية في السنة نفسها، في اول فوز لامراة مغربية بهذه الجائزة. ولا يزال النقد المغربي شبه مجمع على ان هذا النص يمثل اول ظهور للرواية النسائية المكتوبة بالعربية في المغرب العربي بمفهومه الواسع. تحكي الرواية قصة خناثة بنت بكار المغافري (ت 1754م)، ابنة زعيم قبيلة صحراوية، التي تزوجت السلطان المولى اسماعيل (حكم 1672-1727) واستطاعت ان تصبح مستشارته الفعلية وان تحبط دسائس البلاط، قبل ان تختار الانسحاب الى الخلوة الصوفية. وقد كتب عنها مزوار الادريسي في موقع “العربي الجديد” يوليو 2017 ان الرواية “تقرئ التاريخ المغربي من موقع نسوي وتعيد بناءه تخييليا لتمنح المراة دور البطولة والقرار”، مؤكدا ان بطلة الرواية “طالبت علنا بالتغيير الاجتماعي، اي بالعدل مع النساء، وبقدرتهن على الاندماج في الحياة الاجتماعية والسياسية وإغنائها”. اما الكاتبة آمنة اللوه، فقد صاغت وعيها النسوي المتقدم في هذا العمل بذكاء يفوق سنها: لم تكتب باكية ولا مطالبة، بل كتبت مورخة ومتخيلة، مثبتة بالفعل الادبي ما دعت اليه اذاعيا وصحفيا.
 
   في التربية والتعليم: مؤسسة لا معلمة فحسب

تجمع الشهادات الصحفية والمراجع العلمية على ان آمنة اللوه لم تكن مجرد معلمة بالمعنى الوظيفي، بل كانت ممن صنعوا منظومة التعليم النسوي في شمال المغرب من خلال حضورها في مفاصله الحاسمة. بدات معلمة في المدرسة الابتدائية للبنات رقم 1 بتطوان، ثم انتقلت الى التدريس في ثانوية خديجة ام المومنين للبنات، ثم الى مدرسة المعلمات حيث كانت تعد الجيل المحوري من المعلمات. وفي كل مرحلة تجاوزت دور المنفذة الى دور المؤسسة: اول مديرة مغربية للمدرسة الابتدائية رقم 1 بتطوان، ثم مديرة المعهد الثانوي، ثم مديرة مدرسة المعلمات والقسم الداخلي للبنات، ثم اول مفتشة للتعليم النسوي على المستوى الوطني في الرباط ونواحيها.
بعد الاستقلال غادرت تطوان الى الرباط سنة 1959 لتتقلد سلسلة من المناصب الاكاديمية والبحثية: استاذة باحثة في معهد التعريب، مكلفة بمهمة في وزارة الثقافة، استاذة باحثة في المعهد الجامعي للبحث العلمي، استاذة في جامعة محمد الخامس، وعضو في اللجنة الملكية لإصلاح التعليم. وكانت موضوع اطروحتها لنيل الدكتوراه حول “المدرسة العربية في شمال المغرب خلال النصف الاول من القرن العشرين” — موضوع بحثي يختزل مسيرتها: امراة تورخ للميدان الذي كانت هي نفسها من بنائيه. وعلى صعيد الاكاديمي البحت، حصلت على الاجازة من كلية الفلسفة والاداب بجامعة مدريد المركزية سنة 1957، لتكون بذلك اول فتاة مغربية تنال هذه الشهادة من تلك الجامعة، وهو انجاز لم يحدث قبلها لامراة مغربية في اعرق الجامعات الاسبانية.
 
   ما قالته الكتب والصحافة: شهادات لا تكذب

حين نستعرض ما كتب عن آمنة اللوه، تتضح صورة امراة وثقت مكانتها في كتب ومراجع صنعها كبار المثقفين المغاربة قبل ان تحتفي بها الصحافة الالكترونية. في مولف العلامة المختار السوسي “المعسول” (الجزء الثاني، ص 320) ترجمة بكلمات لا تصدر الا عن اعجاب حقيقي. وفي “اعلام المغرب العربي” لعبد الوهاب بن منصور (المطبعة الملكية، 1979) ادرج اسمها ضمن اعلام النهضة الثقافية. وفي “معجم المطبوعات المغربية” لإدريس القيطوني (مطابع سلا، 1988، ص 312) اثبتت مولفاتها. وخصصت لها مجلة “الانيس” في عددها 96 ترجمة بمناسبة جائزتها الادبية سنة 1954. وهذه المراجع كلها سابقة لعصر الانترنت، مما يثبت ان مكانتها كانت محل اجماع المثقفين المغاربة قبل ان تستعاد ذكراها.
اما الصحافة فقد ادت دينها وان تاخرت. فور رحيلها في يوليوز 2015، نشرت هسبريس مقالة عبد العزيز حيون. ثم احتشدت صحافة الشمال في موجة توثيقية نادرة: نشرت جريدة الشمال في يوليوز وغشت 2015 ثلاث مقالات في اسابيع قليلة — مقالة هدى المجاطي (ع 795) تحت عنوان “آمنة عبد الكريم اللوه: معلمة زمانها”، ومقالتا عبد اللطيف شهبون (ع 797) وعبد اللطيف السملالي (ع 798). ثم عادت اليها هدى المجاطي في يوليوز 2020 (ع 1055) بمقالة “آمنة اللوه: نموذج النبوغ النسوي بالمغرب”. وفي 2017 خصص موقع “العربي الجديد” لروايتها تحليلا نقديا على يد مزوار الادريسي. وفي اكتوبر 2021 نشر عدنان الوهابي في طنجة نيوز دراسة في جزأين هي الاكثر تفصيلا توثيقيا. وفي يونيو 2024 كتبت نجاة المريني في هسبريس مقالة استنكارية تحت عنوان “فتاة تطوان تخاطبكم” احتجت فيها على تغييب آمنة اللوه عن برامج المعرض الدولي للكتاب 2024. وفي مايو 2025 ادرج موقع “مرايانا” اسمها ضمن رائدات الكتابة الادبية النسائية في المغرب.
 
   خلاصة القول:

عشر سنوات مرت على رحيل آمنة اللوه، وتطوان لا تزال مدينة لها بما هو اكثر مما اعطت. فهذه المراة التي كانت اول صوت اذاعي نسوي في شمال المغرب سنة 1946، واول روائية مغربية تنال جائزة المغرب للاداب سنة 1954، واول مديرة للمدرسة الابتدائية والثانوية ومدرسة المعلمات في تطوان، واول مفتشة للتعليم النسوي على مستوى المغرب، واول فتاة مغربية تنال شهادة الاجازة من جامعة مدريد المركزية سنة 1957 — هذه المراة تستحق ان يحمل اسمها اليوم شارع من شوارع تطوان او مدرسة او مكتبة في المدينة التي احبتها.
“من لا ماضي له لا مستقبل له. اذا انتعشت الحياة الثقافية اليوم بأسماء وازنة نعتز بها، فلا يجب ان ننسى الرواد والرائدات الذين ناضلوا من اجل ان نعلن اليوم بفخر عن ميلاد كوكبة من الكتاب والمبدعين.” — نجاة المريني، هسبريس، يونيو 2024

موضوعات ذات صلة