الإعلام المغربي بين الفوضى والرهان الاستراتيجي
لم تعد قضية الإعلام في المغرب مجرد نقاش مهني يهم الصحفيين والمؤسسات الإعلامية وحدهم، بل أصبحت سؤالاً وطنياً يرتبط بجودة الحياة الديمقراطية، وبصورة الدولة، وبقدرتها على حماية مصالحها ومواكبة تحولات العصر. فما يجري اليوم داخل هذا القطاع يفرض وقفة تأمل جادة، لأن الأمر لم يعد يتعلق فقط باختلالات عابرة، بل بفوضى حقيقية تهدد مهنة كانت على الدوام من أكثر المهن تأثيراً في بناء الوعي وصناعة الرأي العام.
فالصحافة، في جوهرها، ليست مجرد نقل للأخبار أو سباق نحو السبق الإعلامي، بل هي رسالة ومسؤولية ومهنة قائمة على المعرفة والتكوين والالتزام الأخلاقي. وهي كذلك إحدى أدوات الدولة الحديثة في تدبير الشأن العام، ووسيلة المجتمع في مراقبة المؤسسات، ومنصة للترافع عن القضايا الوطنية داخلياً وخارجياً. لذلك ارتبطت الصحافة في مختلف الدول المتقدمة بالاحترافية العالية، وبشروط دقيقة للولوج إليها، وبمنظومات قانونية ومؤسساتية تضمن استقلالها ومهنيتها في الآن نفسه.
غير أن ما نعيشه اليوم يكشف اتساع دائرة التسيب، حيث أصبح كل من يتوفر على هاتف محمول أو حساب في مواقع التواصل الاجتماعي يعتبر نفسه صحفياً، وكل من توصل بخبر أو إشاعة ينشرها دون تحقق أو تدقيق أو احترام لأبسط قواعد المهنة يقدَّم للرأي العام على أنه إعلامي. وهكذا اختلط الصحفي المهني بصانع المحتوى، والمؤسسة الإعلامية الجادة بصفحات الإثارة، والخبر الموثوق بالشائعة السريعة.
هذا الواقع لا يسيء فقط إلى صورة الصحافة، بل يضرب حق المواطن في المعلومة الدقيقة، ويضعف الثقة في الإعلام الوطني، ويفتح المجال أمام الابتزاز والتشهير والتلاعب بالرأي العام. كما أنه يفرغ المهنة من معناها الحقيقي، ويظلم عشرات الصحفيين المهنيين الذين ولجوا هذا المجال عبر الدراسة والتكوين والتجربة الميدانية والالتزام بأخلاقيات العمل.
إن الحاجة اليوم أصبحت ملحة إلى إعادة تنظيم مهنة الصحافة وجعلها كباقي المهن المحترمة والمنظمة، كالطب والهندسة والمحاماة، حيث لا يُسمح بالممارسة إلا لمن استوفى شروط التأهيل والكفاءة. فالصحافة يجب أن تقتصر على المهنيين الذين ولجوا إليها عبر مسار علمي أو تكوين صحفي معترف به، وحصلوا على البطاقة المهنية أو الاعتماد الصحفي وفق معايير واضحة وصارمة. أما غير ذلك، فينبغي اعتباره خارج الإطار المهني، مهما كانت المنصة التي يشتغل عبرها.
كما ينبغي فتح نقاش جدي حول مسألة الجمع بين الصحافة ومهن أخرى، خصوصاً حين يتعلق الأمر بموظفين أو منتمين لقطاعات قد تطرح تضارباً في المصالح أو تؤثر في استقلالية الممارسة الإعلامية. فالصحافة ليست نشاطاً موسمياً أو عملاً إضافياً، بل مسؤولية تتطلب التفرغ والحياد والنزاهة.
ومن جهة أخرى، فإن الدولة مطالبة بتحمل مسؤوليتها كاملة تجاه هذا الورش، لأن الإعلام اليوم أصبح سلاحاً استراتيجياً بامتياز. إنه سلاح ذو حدين؛ يمكن أن يكون في خدمة الوطن، مدافعاً عن هويته ومصالحه وصورته الدولية، ومواكباً لأوراش التنمية والإصلاح، كما يمكن أن يتحول إلى أداة ضده إذا تُرك للفوضى أو وقع في أيدي الجهل والانتهازية.
فالدول القوية لم تعد تعتمد فقط على الاقتصاد والجيوش والدبلوماسية، بل أدركت أن معارك العصر تُخاض أيضاً بالكلمة والصورة والسردية. والإعلام الوطني المهني هو خط الدفاع الأول في مواجهة الإشاعات، وحملات التشويه، ومحاولات المس بالثقة العامة.
ويزداد هذا المعطى أهمية في الحالة المغربية، حيث يراهن المغرب على ترسيخ موقعه كقوة إقليمية صاعدة، وعلى تسويق نفسه كشريك موثوق ومستقر في محيطه الجيوسياسي. فمن جهة الشمال، ينسج المغرب علاقات استراتيجية مع إسبانيا وفرنسا ومع فضاء حوض البحر الأبيض المتوسط، بما يفرض امتلاك خطاب إعلامي قوي قادر على مواكبة هذه العلاقات والدفاع عن المصالح الوطنية داخل فضاء شديد التنافسية. ومن جهة أخرى، يراهن المغرب على عمقه الإفريقي، خصوصاً في علاقاته مع دول الساحل، حيث يقدم نفسه بوابة نحو إفريقيا وشريكاً في التنمية والاستثمار والاستقرار.
وفي مثل هذا السياق، لا يمكن لدولة تطمح إلى لعب أدوار إقليمية وازنة أن تترك جبهتها الإعلامية رهينة الفوضى أو الارتجال. فصورة الدول تُبنى أيضاً عبر إعلامها، ومكانتها تتعزز بقدرتها على إدارة روايتها الاستراتيجية والدفاع عنها أمام الداخل والخارج.
إن الإصلاحات المنتظرة في المجلس الوطني للصحافة تتيح فرصة حقيقية لإعادة بناء هذا القطاع على أسس جديدة، تقوم على المهنية والاستقلالية والمسؤولية، وتضع حداً لكل أشكال العبث التي أضرت بصورة المهنة والوطن معاً. فإصلاح الإعلام ليس ترفاً مؤسساتياً، بل ضرورة استراتيجية، لأن الأوطان التي تملك إعلاماً قوياً تملك قدرة أكبر على حماية نفسها وصناعة مستقبلها.








