مقايضة النقط .. بالجنس !
من المفارقة العجب ؛ ما عايشناه و الرأي العام المغربي ، ونحن نشد الأهبة، استعدادا للحملة الوطنية التحسيسية 19 ، لوقف العنف ضد النساء 2021 ، تحت شعار : “أنخرط” ” je_m_engage” . تنفيذا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم : 54/34 باعتماد تاريخ 25 نونبر يوما عالميا للقضاء على العنف ضد النساء.
صدمة ارتدادية خطيرة، لها امتداد عرضاني، نحو العمق الشمولي لخلخلة وتقويض القيم الإنسانية عامة، والإجتماعية الثقافية للمجتمع المغربي خاصة . جراء فضيحة حرمنا الجامعي، وصرحنا العلمي والأكاديمي، ” الجنس مقابل النقط ” . فبالرغم من كون الظاهرة هي واقع تنامي لحالات ظلت طبوها ” tabou ” مسكوت عنه ، ينخر ويقوض قيمنا ومرجعياتنا في عمقها المعياري الأخلاقي ، والناظمة لبعدنا الإنساني ومرجعياتنا الأخلاقية ، الثقافية والحقوقية.
ظاهرة التحرش والإبتزاز الجنساني ضد المرأة مستشرية في مجتمعنا عبر مختلف دهاليز مؤسساته وفضاءاته العامة والخاصة، المحتضنة لها ( البيت ،الشارع ،المدرسة ، الشارع ، الجامعة ، الإدارة ..) . والتي هي ترجمة وتصريف طبيعي للعلاقات اللامتوازنة بين الجنسين ، والمختلة من حيث ضبط قوى التكافؤ و الندية ، الإعتبار والإستحقاق ..بين الرجل والمرأة .
إلا أن ممارسته واقترافه في الحرم الجامعي ، يأخذ أبعاد خطيرة ومهددة لإناستنا الأخلاقية ، الثقافية و الحقوقية . لما تمثله الجامعة من حصانة معيارية ، لتكريس وتحصين المنظومة القيمية للمجتمع ، ولهويته الإنسانية ، ولمرجعيته الإيديولوجية.
فهول الصدمة ، وخطورة امتدادها على مناح عدة ، والتي نتحمل جميعنا مسؤولية إنتاجها من حالات شادة ، إلى ظاهرة متنامية، لأن وضع الجامعة في قفص ” حاميها .. حراميها ” يجبرنا على فتح نقاش جاد ومسؤول ، لتشخيص الظاهرة و استشراف آليات اجتثاثها واقتلاعها من جدورها ، دونما الوقوف أو التسليم بكونها حالات عنف عرضية – اعتيادية – ضد المرأة / الجسد، التي ما خلا منها زمان ولا مكان. لأننا أمام ظاهرة / أزمة، تستغل المرأة / الضحية ، إلى حد بعيد ، رغم أنها في حالات كثيرة ، تعد شريكة في الجرم، وممارسة له برضائية انتهازية ووصولية، لا إجبارية ولا إضطرارية. خاصة و أنها ؛ المرأة الجامعية ، التي تحمل من مقومات النضج الإجتماعي والفكري ، ما يجعلها تتحمل وزر فعلها و وتبعاته ، قبولا ورفضا . بل تعد مسؤولة عن تحرير صورة المرأة / الضحية ، من علل الإستكانة و الإنصياع ، من أجل إعادة تشكيل صورة المرأة / النموذج ، المتمكنة من صناعة قراراتها ، بما يستجيب لإختياراتها وتوجهاتها العامة قبل الخاصة .
فبالرغم من أن تهمة القضية هي : ” التحرش الجنسي ، والتحريض على الفساد ، والتمييز بسبب الجنس ، والعنف في حق المرأة من قبل شخص له سلطة عليها ” . إلا أن السلطة الرمزية التي يمثلها الأستاذ الجامعي ، أو من يحدو حدوه ( معيلا ، رب عمل ، رئيسا ..) ، هي سلطة في غالب الأحيان محدودة باختيار امتياز واستحقاق ، مصلحي ذاتي بأسهل وأرخص السبل ، على حساب الصالح العام ونظمه القيمية، الضابطة لمعايير التفاضل والتمايز . مع وجود حاالات استثناء ، تلكم التي يمثل فيها جسد المرأة / المتمنعة ، عائقا ومانعا تمييزيا ضدها .
إن هذه المكاشفة بعيدة كل البعد ، عن أي تحامل أو تجليد لبنات جنسي ، ولكنها المسؤولية المشتركة التي نتحملها إزاء وطننا ، و مجتمعنا المغربي ، خاصة و أن القضية تنذر بأزمة كارثية ، تهدد حصن قيمنا و ارتباطاتنا المرجعية ، الظامنة لتماسكنا و أمننا الجماعاتي. فالمرأة المنتهكة و المعنفة / جسدا ، في هذه القضية للأسف ، تمثل الإنزياح بتمثلات جمعية مشروعة / سامية ، بغاية ذاتية مبتذلة ، تحملها جرما مزدوج الأبعاد ، كونها تمارس الفعل الإنتهازي الوصولي ضد كيانها / الجسد ، و ضد قيم المجتمع و آلياته المعيارية ، حكم الضوابط و النظم ، الضامنة لإستقراره وتوازنه.
لا يمتري عاقل / عاقلة ، في أن القضية تتجاوز طرفي الجرم ، بتفاوت الفعل و أثره ، إلى الطرف الثالث حيث نتشارك جميعا ، في إنتاج و تشويه معالم قيمنا الجمعية ، و محددات مرجعياتنا الدينية ، الإجتماعية و الثقافية … و ذالك بالرغم من أننا في عالم منفتح و متغير ، حيث قيمنا مرتهنة بالتحولات الماكروسوسيولوجيا للمجتمع في ارتباطه بالفرد و الجماعات ، والمنتظم الدولي ( الدين ، الأعراف ، المشروع المجتمعي و الكوني ..) . بما يحقق المصلحة الفضلى للبلاد و العباد ، الأمر الذي أصبح مهددا بمجموعة من الإختلالات و الإنزياحات التي فرضتها و نمطتها ، صيحات العولمة و الرقمنة ، تحت سطو و توغل آلياتها الإنتاجية و الترويجية ، عبر كتلة من التمظهرات المعيبة و المخزية ، والتي تعد قضية ” الجنس مقابل النقط ” إحدى صناعتها و تدويرها ، المعتل والمختل ، وهو انعكاس فاضخ لأخذنا بمقاربات استهلاكية هجينة من نظير التمثل لا الحصر :
انتهاك حرمة الفعل السياسي ، وتمييع مشهده دون رقابة و لا محاسبة .
تحجيم مكانة الجامعة وأدوارها الطلائعية ( التأطير ، التكوين ، التعليم ..) إلى مؤسسة لتفريخ أفواج الخريجين و الخريجات.
استغلال قضية المرأة / النوع الإجتماعي ، في الإبتذال و الإستهلاك القيمي .
تبني القيم المادية الإنتهازية ، المفتقدة للمرجعية و الهوية القيمية ( التفاهة ، السطحية..)
التشجيع و التهافت على إعلام السوق وصناعة الإنتاج و الإستهلاك ، حيث تحكم سلطة الإثارة والميوعة ، و الإنفلات من معيارية القيم المجتمعية و الأخلاق المهنية طغيان المقاربة الفردانية ( individualism) بديلا عن الجماعاتيةcollectivism) ) ، وهي تعاطي الحياة من أجل أهداف و رغبات شخصية ذاتية ، بما يتعارض و يتنافى و التعاطي المجتمعي الشمولي ، إذ يسلك الفرد كل السبل والمسارات المناهضة للقيم و المقوضة للأعراف الجمعية، من أجل اقتناص مصالح خاصة على حساب المصالح الجماعاتية.








